متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧١٤ - ومن سورة الناس
وقد يكون ذلك بأن يعلمه الضرر العظيم إن لم يفعل الإيمان ، فمتى علم ذلك ببعض الآيات الخارجة عن العادة ، وقوى ذلك فى ظنه وصار الضرر فى حكم الحاصل ، فإن ذلك يلجئه إلى أن يفعل ذلك الشيء.
وعلى هذا الوجه بين تعالى أنهم لما رأوا اليأس من العذاب آمنوا على جهة الإلجاء ، ولذلك بين أن ما فعله من اتصال البحر فى فرعون أوجب كونه ملجأ ؛ لأنه عند ذلك حصل له العلم ، أو قوة الظن بذلك الأمر اليائس الذى فى حكم الضرر الحاصل ، فصار ملجأ إلى إظهار ما أظهر.
فعلى هذا الوجه : يكون تعالى مريدا من العبد الإيمان وعلى جهة الإلجاء : إما بإعلام ، على ما قلناه ثانيا [١]. فلما لم يفعل القديم تعالى ذلك بالمكلفين وأراد منهم الإيمان مع فقد ذلك ، ومع تردد دواعيهم بين الفعل والترك ، لم يجب أن يكون مريدا على جهة الإلجاء ، بل كان مريدا منهم ذلك على طريقة الاختيار ، وعلى وجه يعلم من حالهم أنهم لو فعلوه ، لاستحقوا به المدح والثواب ، فإذا اقترن حال الإرادتين بما بيناه من الوجهين ، لم يمتنع أن يثبته تعالى مريدا للايمان على أحد الوجهين ، وينفى كونه تعالى مريدا له على الوجه الآخر. والوجه الذى لم يرده عليه لا يمتنع أن يقول فيه : ( وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ) لأنه لو شاءه فى الحقيقة لنفى ذلك عن نفسه ، وتبين مع ذلك قدرته على أن يلجئهم ، وإن كان تعالى قد أثبت نفسه بذلك العقل والسمع مريدا من جميع المكلفين الإيمان.
٨٩١ ـ مسألة فى النخلية [٢]
اعلم أنه لا بد فى المكلف أن يخلى بينه وبين ما كلف ، وبين تركه ، لكى
[١] كذا فى الأصل. [٢] انظر المغنى : ١١ / ٣٩١ فما بعدها.