متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧٠ - ومن سورة البقرة
ما أورثه الحرمان والمضرة ، ولو لم يكن منهم فعل لما وصفهم بذلك ، ولو لا صحة ما قلناه ، لما جاز أن يقول تعالى بعد ذلك : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ) [١]؟ فيذمهم ويوبخهم ، ويؤكد ذلك بذكر نعمة الله عليهم ، وهم [٢] مع ذلك كالظروف لا يفعلون ، وإنما يفعل فيهم.
وقد بين شيوخنا أن على قولهم لا يكون لله عز وجل على الكفار [٣] نعمة ، ولا يمكن القول بأنه يلزم شكره وعبادته ، بل يجب القول بأنه يستحق الذم ، بل أعظم الذم!! وبيان ذلك أن النعمة هى المنفعة التى « لا يعقبها مضرة [٤] أعظم منها ، إذا كانت حسنة [٥] ، ولذلك [٦] لا يعد من أطعم غيره خبيصا مسموما بأنه من المنعمين. فإذا صح ذلك وكان عند القوم أن الله تعالى خلق الكفار للنار ، وما خلقهم إلا لها ، وعلى ذلك يحملون قوله عز وجل : ( لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ) [٧] ويروون عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال : ( قال الله تعالى : خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالى ، وهؤلاء للنار ولا أبالى [٨] ) ومن خلق
[١] سورة البقرة : ٢٨ [٢] د : وهو. [٣] د : الكافر [٤] ف : لا تعقب بمضرة. [٥] النعمة هى : (كل منفعة حسنة واصلة إلى الغير إذا قصد فاعلها بها وجه الإحسان إليه ) وانظر فى بيان شرحها وحقيقتها وخلافهم فى قيد (الحسن ) وبيان حقيقة المنعم : شرح الأصول الخمسة : ٧٧ ـ ٨١. [٦] فى د : وكذلك. [٧] سورة الأعراف : ١٧٩. [٨] روى مسلم بن يسار الجبني أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه سئل عن هذه الآية ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ، قالُوا بَلى شَهِدْنا ، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ). فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يسأل عنها ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم : (إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته ، فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار ولعل أهل النار يعملون ... ) الحديث ، أخرجه الإمام مالك فى الموطأ ٢ / ٨٩٨ ـ ٨٩٩ ـ