متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٤٤ - ومن سورة الحديد
له ، ولا هو ممن يفعل به ، فكان لا وجه له البتة. وإذا حملناه على ما قلناه ، يصح ؛ لأنه يكون باعثا لهم على الإيمان وداعيا لهم.
٧٥١ ـ وقوله : ( وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ) [٢٧] فغير دال على قول المجبرة فى أن أفعال القلب من قبله تعالى ، وذلك أن ظاهره يقتضى أنه جعل فى قلوبهم الرأفة والرحمة ، وكذلك نقول ؛ لأن رأفة القلب ورقته هما من فعله تعالى ، وإن كان المراد بها النعمة ، فمتى قرنت بالقلب ، فالمراد بها ما ذكرناه ، والله تعالى هو الذى يخلق القلوب مختلفة : ففيها ما يختص بالقسوة ، وفيها ما يختص بالرحمة والرأفة.
وأما الرهبانية فلم يذكر تعالى أنه جعلها ، وإنما ذكرها ، ثم خبر أنهم ابتدعوها ، وبين أنه تعالى ما كتبها عليهم ، وما ألزمهم إياها إلا ابتغاء مرضاته ، وأنهم ما رعوها حق رعايتها ، فخرجوا عنها إلى المعاصى ، ولم يتمسكوا بها ، ولم يدوموا عليها.
٧٥٢ ـ وقوله تعالى : ( لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ ) [٢٩] وتعلقهم بذلك فى أن العبد لا يقدر على فعله ؛ لأن الفضل من فعله ، فبعيد ، وذلك أن ظاهره إن دل ، فإنما يدل على أن العبد لا يقدر أصلا ، على ما يقوله جهم [١] والقوم وإن جعلوا فعله خلقا لله ، تعالى
[١] هو الجهم بن صفوان ، مولى بنى راسب من الأزد ، نشأ بسمرقند ، وانتقل إلى الكوفة وأخذ فيها عن الجعد بن درهم منهجه فى التأويل ، ثم انتقل إلى بلخ ، ولقى فيها مقاتل بن سليمان ( ـ ١٥٠ ) المفسّر ، وحمله ما وجده عنده من القول بالتشبيه على القول بنفى الصفات ، فنفى إلى ترمذ ، ثم دعاه الحارث بن سريج إلى قتال بنى أمية ففعل ، فقتلهما الأمويون شر قتلة وهم يزعمون أن جهما دهرى! وكان مقتله رحمهالله عام (١٢٨) ه. وإليه تنسب فرقة الجهمية ، كما نسبت إليه المعتزلة منذ عهد المأمون. ومما اشتهر عنه القول بالجبر المحض! ـ