متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٨٣ - ومن سورة والصافات
لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ ) [١] وأراد بكل هذا المعمول فيه دون العمل ، وقال تعالى : ( تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ) [٢] و ( تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ) [٣] وأراد بذلك ما صنعوا فيه من الحبال أو غيرها ؛ لأنها التى يصح فيها التلقف والتناول ، دون حركاتهم.
فهذه طريقة فى التعارف أقوى مما ادعوه لو لم يكن الكلام جاريا مجرى التعليل أيضا.
على أن الكلام متى كان على ما حملوه تناقض فى المعنى ، وذلك أنه تعالى إذا أراد : والله خلقكم وخلق عملكم ، فقد وجب بذلك لا محالة أن يكون خالقا لنفس عبادتهم لأنها من جملة العمل ، ولأنه لا يصح التفرقة بين الأعمال فى أنه تعالى يخلقها عندهم ، فإذا صح ذلك وجب على هذا أن يكون تعالى كأنه قال : أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وخلق عبادتكم مع سائر أفعالكم؟ وهذا يوجب زوال التبكيت واللائمة ، من حيث قصد به التبكيت ، وهذا يتناقض ، على ما ذكرناه ، لأنه تعالى إن خلق عبادتهم فكيف يجوز أن يوبخهم عليها؟! وإن خلق فيها تحت الأصنام ، فكيف يجوز أن يوبخهم على ذلك؟ وكل كلام صدر من حكيم فحمله على ما يناقض فى الوجه المقصود إليه لا يصح ، والواجب حمله على ما يشاء ويصح ، وهو الذى قلناه.
وبعد ، فإنه تعالى حكى ذلك عن إبراهيم ، عليهالسلام ، فى إنكاره عليهم عبادة الأصنام ، وقوله : ( أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ ) [٨٦] إلى آخر
[١] سورة سبأ ، الآية ١٣. [٢] سورة الأعراف ، الآية : ١١٧. [٣] سورة طه ، الآية ٦٩.