متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٥٧ - ومن سورة الروم
لله تعالى ، ويقولون : يصح من الله فعله لو أراده ، لكنه إذا قدر العبد عليه لم يجز أن يريد فعله ، وإنما يفعله العبد ، وفى ذلك سقوط تعلقهم بالظاهر.
فأما على قولنا فى أن ما لا يكون فعلا لله لا يجوز يكون أن مقدورا له ، فالجواب أيضا ظاهر ، لأن وصفه جل وعز بأنه قادر على الشيء لا يتضمن صحة كون ذلك الشيء مقدورا له أولا! لأن إثبات الصفة يتضمن صحتها ، فما لا يصح لا يجوز دخوله تحت الظاهر ، كما أنه إذا وصفناه بأنه عالم بالأشياء لم يدخل فى ذلك ما لا يكون معلوما ، وقد ثبت أن فعل العبد لا يصح كونه مقدورا ، فالظاهر لا يتناوله.
وبعد ، فإن لفظة الشيء تنطلق على الموجود ، والباقى ، والمعدوم ، وقد تكلمنا أنه لا يكون مقدورا إلا إذا كان على بعض هذه الصفات [١] ، فالوجوه التى يحتمل عليها تتنافى ، ويستحيل مع بعضها أن يكون معدوما ، ويصح على البعض ، فما هذا حاله لا يجوز دخوله تحت الظاهر ، لأن إرادته كالمتنافى.
وبعد ، فإن هذه اللفظة فى الإثبات لا تفيد فى اللغة العموم ، لأنها بالتعارف تطلق فى المبالغة والتكثير ، كقوله تعالى : ( وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) [٢] و ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) [٣] و ( يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) [٤] فإذا كان التعارف خصصها لم يمكن حملها على العموم. ويجب أن تكون محمولة على ما تقدم فى الكلام من إحياء الموتى وغيره ، مما بين أنه تعالى يختص بالقدرة عليه ، وأنه أولى أن يعبد من الأصنام والأوثان.
٥٨٣ ـ فأما قوله تعالى : ( كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) [٥٩] فقد تقدم القول فى الطبع ، فى غير موضع [٥].
[١] انظر الفقرة ٢٢٠. [٢] سورة النمل ، الآية ٢٣. [٣] سورة الأنعام ـ الآية ٣٨. [٤] سورة القصص ، الآية ٥٧. [٥] انظر الفقرات : ١٨ ، ١٧٩ ، ٢٥٩.