متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٩٨ - ومن سورة الأنبياء
وبعد ، فإنه لا خلاف بيننا وبينهم فى أنه تعالى لا يسأل عما يفعل ، لكنا نقول : إن الذى يفعله هو الأمور الحسنة ، وهم يقولون : إنه يفعل مع [١] ذلك القبائح. والخلاف فى ما الذى يدخل فى أفعاله ولا يعلم صحيحه من سقيمه ، فمن حيث ثبت أنه لا يسأل عما يفعل ، لأن إحدى المسألتين غير الأخرى ، ولهذا صح الوفاق فى أحدهما مع الخلاف فى الأخرى.
وبعد ، فإن الخلاف بيننا وبينهم فى العلة التى لها [ لا ] يسأل عما يفعل وفى حكمها ، فنقول : إن كان [٢] الأمر كما تقولون من أنه يفعل كل قبيح ، فينبغى أن يسأل عما يفعل ، وإنما يسلم ذلك متى نزه عن القبيح. ويقول القوم : إنما لا يسأل عما يفعل لأنه مالك ، إلى غير ذلك من عللهم ، وهذا الخلاف لا تعرف صحة الصحيح منه من ثبوت القول بأنه لا يسأل عما يفعل!
وقد استدل شيوخنا ، رحمهمالله ، بهذه الآية على ما نقول ؛ لأنه تعالى إنما وصف نفسه بذلك من حيث كان لا يفعل إلا الحكمة والعدل ، ومن لا يكون فعله إلا بهذه الصفة لم يجز أن يسأل « عن فعله ، لأن المحسن منا إذا ظهر فيما يفعله وانكشف أنه إحسان لم يجز أن يسأل [٣] فيقال له : لم فعلت؟ وإنما يسأل عن ذلك الظالم والمسيء والفاعل للقبيح ، فلو لا أنه تعالى منزه عن القبائح لم يصح أن يوصف بذلك.
وبعد ، فإنه تعالى قال : ( وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) فلا يخلو من أن يريد به : أنهم يسألون عما يفعله ، أو عن فعلهم ، وقد علمنا فساد الوجه الأول ، فليس إلا أنهم يسألون عن فعلهم ، وهذا يوجب فى فعلهم أنه ليس بفعل له ، وإلا لم يصح أن يقع السؤال عنه لأجل قوله : ( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ). ولوجب دخوله تحت هذا
[١] ساقطة من د. [٢] ساقطة من د. [٣] ساقط من د.