متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٨٥ - ومن سورة مريم
العباد ، فقال : ( رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ ) .. [٦٥] والربّ هو المالك القادر ، والمعاصى [١] داخل فيما بينهما ، فيجب أن تدل هذه الآية على قولنا!
والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يتناول إلا الأجسام لأنه قال : ( فَاعْبُدْهُ ) [٢] فبين أن خلقه لما تقدم ذكره هو الموجب لعبادته ، وليس لأفعال العباد مدخل فى ذلك ، ولا يجوز أن يراد به إلا النعم التى بها يستوجب ـ تعالى ـ العبادة ، ولذلك قال بعده : ( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) يعنى : مثلا ونظيرا فى هذا الأمر الذى به يستحق العبادة ، مبينا بذلك أن الواجب إخلاص العبادة له فقط ، دون غيره.
وقد بينا من قبل أنا لو قلنا : إنه تعالى مالك لأفعال العباد ، من حيث يقدر على تمكينهم منها ومنعهم منها لصح ، ولجرى ذلك على طريق الحقيقة ، لأن المراد بالملك فى المملوك على ما ذكرناه ، قد يختلف.
٤٥٥ ـ مسألة : ثم ذكر بعده ما يدل على أنه يورد المؤمن النار يوم القيامة ، ثم ينجيه منها ، وعلى أن له أن يفعل بكل عباده ما يريد ، فقال : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ) [٧١].
والجواب عن ذلك : أن الورود لا يوجب الوقوع فى الشيء ، وإنما يقتضى الدنو والمقاربة ـ وعلى هذا الوجه يحمل قوله تعالى : ( وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) [٣] لأن المتعالم فى ذلك « أنه لم يخض الماء [٤]
[١] د : العاصي. [٢] تتمة الآية السابقة ٦٥ [ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ]. [٣] من الآية ٢٣ من سورة القصص. [٤] فى د : أنه يخص.