متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٢٠ - ومن سورة الرعد
٣٨١ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن المكر من قبله ، فقال : ( وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ ) [٤٦].
والجواب عن ذلك : أن ظاهره لا يدل على أنه الفاعل لذلك ، لأن هذه الكلمة تقع محتملة قد يراد بها الفعل ، كما يراد بها غيره ، فلا ظاهر له إذا.
ويفارق هذا ما تعلقنا به من أنه تعالى قال فى تحريفهم : ( وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ) [١] أن ذلك يدل على أنه ليس من فعله ، لأن ما هو من فعل الفاعل لا ينفى أن يكون من عنده ، وقد يقال فى الشيء : إنه عنده ، « ومن عنده [٢] ، لا على طريقة الفعلية ، والإثبات فيه يفارق النفى.
وبعد ، فإن قولنا فى الشيء : إنه من عنده لو دل على أنه فعله لكان القول بأنه عنده ، لا يدل على ذلك ، لأن الأول يؤذن بحصوله من قبله ، على بعض الوجوه ، والثانى لا يؤذن بذلك ، ولهذا يجوز أن يقال : عند فلان مال ، ولا يقال من عنده المال ، إذا لم يكن له فيه صنع ، ويقال : عند فلان خبرى وما أنا عليه ، بمعنى : أنه عالم به وإن لم يكن ذلك من قبله ، ولا يقال فيما حل هذا المحل : إنه من عنده ولا صنع له فيه. فإذا ثبت أنه لا ظاهر له ، فالمراد بذلك أحد أمرين :
إما أنه عالم بحال مكرهم ، وأنه غير مؤثر فيما أراده [٣].
وإما أن عنده معاقبتهم على مكرهم ، من حيث لا يشعرون.
[١] من الآية : ٧٨ فى سورة آل عمران [٢] ساقط من ف. [٣] ف : أرادوه