متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٧١ - ومن سورة الأنعام
وإنما أراد تعالى الترغيب فى الطاعة بتضمن التفضل مع الثواب ، فأما المعصية فيما لا يجوز أن يفعل فى عقابها أكثر من المستحق ، لا عقابا ولا تفضلا ، لأن الابتداء بذلك ظلم ، تعالى الله عنه! فزجر عنه تعالى بالقدر الذى يصح الزجر به ، لأن الزيادة فيه قبيحة ، فلا يجوز أن يتوعد تعالى بها ، ولذلك قال عقيبه : ( وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ) [١] مبينا بذلك أنه لا يفعل إلا القدر المستحق ولو كان الأمر كما قالوا ، فالواجب ـ لو فعل اضعاف ذلك ـ أن لا يكون ذلك ظلما ، فكان لا يكون لهذا القول معنى!
وربما سألت المرجئة عن هذه المسألة فقالت : إنه تعالى بين أن الذى يستحق على الطاعة أكثر مما يستحق على المعصية ، فيجب فى الجامع بين الأمرين أن تكون طاعته أغلب وباستحقاق الجنة أولى ، وهذا يوجب فى مرتكبى الكبائر من أهل الصلاة أنهم من أهل الجنة!!
والجواب عن ذلك : أن ظاهره إنما يوجب إزالة هذين القدرين فى الطاعة والمعصية ، ولا يدل على أن جميع ما تضمنه على الطاعة مستحق ، فمن أين أن الثواب للطائع إذا ارتكب كبيرة أكثر من عقابه.
وقد بينا أن الآية لا تدل على المقدار ، فلا يصح تعلقهم بهذا [٢] من هذا الوجه أيضا.
على أن هذا القول يوجب أن يقطعوا بأن الجامع بين الأمرين إذا كان عدد [٣] طاعاته أكثر ، « أن يكون [٤] من أهل الجنة ، وليس ذلك قولهم ، لأنهم يجوزون أن يخلد فى النار ، وأن يعفى عنه بأن لا يدخلها ، أو بأن يخرج عنها.
[١] تتمة الآية السابقة ١٦٠. [٢] لعل الأصوب : بها. [٣] فى د : عددا. [٤] ساقط من د.