متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٥٨ - ومن سورة الأنعام
يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [١١٠]
والجواب عن ذلك : أنه تعالى ذكر تقلب ذلك فيهم فى المستقبل ، فمن أين أن المراد به فى الدنيا ، ولا توقيت فى الكلام؟
وبعد ، فإنه تعالى بين أنه يفعل ذلك ، من حيث لم يؤمنوا به ، ولا يكون ذلك على جهة العقوبة إلا فى الآخرة ، وهذا هو المراد ؛ لأنه تعالى يفعل بهم ذلك فى النار حالا بعد حال ، لأجل كفرهم وسوء أفعالهم.
ولو حمل على أن المراد به أن يفعل بهم ذلك فى الدنيا بأن يضيق صدورهم بما يرد عليهم من الغم لتعظيم المؤمنين ، وبما يرد عليهم من الشبه ، وبما يقع [ للمؤمنين ] من الظفر بالحجة وغيرها ، لم يمتنع.
وقوله تعالى : ( وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ظاهره يقتضى التخلية فقط ، وهو تعالى قد ثبت أنه خلى بين الكافر وكفره ؛ لأنه لو منعه قهرا لزال التكليف والذم والمدح ، وإنما منعه بالنهى والزجر ، وذلك لا يخرجه عن التخلية.
٢٢٧ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يشأ منهم الإيمان ، فقال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللهُ ) [١١١].
والجواب عن ذلك : أن المراد به : إلا أن يشاء الله أن يلجئهم ويحملهم على الإيمان ، وقد بينا فى نظائر ذلك الكلام فيه [١].
[١] انظر فيما مضى الفقرات ٨٠ ، ١٩٥ ، ٢٠٨