متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٥٢ - ومن سورة الأنعام
فأثبته خالقا من حيث قدر ودبر ، وإن لم يفر الأديم.
ومتى حمل الكلام على هذا الوجه كان حقيقته : أنه تعالى وإن لم يحدث أفعال العباد ، فقد قدرها ودبرها وبين أحوالها ، فهذا وجه.
وقد قال بعض العلماء : إن هذه اللفظة فى الإثبات ليس المقصد بها التعميم ، كما يقصد ذلك فى النفى ؛ لأن القائل يقول : أكلت كل شيء ، وتحدثنا بكل شيء ، وفعلت كل شيء ، وقال تعالى : ( تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) [١] و ( ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) [٢] وقال تعالى : ( تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها ) [٣] وقال : ( يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ) [٤] وإنما المقصد بذلك المبالغة فى الكثير من ذلك النوع المذكور ، قال : ولا يعرف هذا [٥] الكلام فى باب الإخبار عما يفعل الإنسان عما يحدث من الأمور مستعملا إلا على هذا الوجه ، فلا يصح أن يدعى فيه العموم ، فهذا وجه ثان.
ومما يقال فى ذلك : وقوله تعالى : ( خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) على ما يصح أن يقدر عليه فيجب أن يبين أن [٦] أفعال العباد يصح ذلك فيها [٧] حتى يتضمنها العموم ، كما أن الدلالة العقلية إذا دلت على أنه تعالى يفعل أمورا ، فإنما تدل بعد تقدم العلم [٨] بأن كان قادرا عليها. وما ترتب على شرط غير مذكور تجب معرفته ، لا يمكن ادعاء العموم فيه.
[١] قال تعالى : [ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ] من الآية : ٨٩ فى سورة النحل. [٢] من الآية : ٣٨ فى سورة الأنعام. [٣] من الآية : ٢٥ فى سورة الأحقاف [٤] قال تعالى : [ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ ]. من الآية : ٥٧ فى سورة القصص. [٥] فى د : وهذا. [٦] ساقطة من د. [٧] فى د : منها. [٨] ف : العقل.