متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٥ - مقدمه
وعلى هذا الوجه بنينا الكلام فى اللطف بأن قلنا : إنه عز وجل يفعل بالمكلف كل [١] كل ما يكون أدعى له إلى فعل ما كلف ، وهو الذى أراده عز وجل بقوله ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) [٢].
فاذا صح ذلك [٣] وثبت أن الواجب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالنظر فى الأدلة ويحرم عليه الرجوع إلى التقليد فى ذلك ، فكل أمر يبعث على النظر ويصرف عن التقليد فهو أولى فى الحكمة مما الأقرب فيه أنه يدعو إلى التقليد « وإنزاله عز وجل القرآن محكما ومتشابها هو أقرب إلى ذلك من وجوه ، فيجب أن يكون حسنا فى الحكمة ، وأن يكون أولى من أن يجعله كله محكما [٤].
فمنها : أن السامع للقرآن والقارئ له إذا رأى المحكم والمتشابه كالمتناقض فى الظاهر لم يكن بأن يتبع أحدهما أولى من الآخر فيما يرجع إلى اللغة ، فيلجئه ذلك ، إذا كان ممن يطلب الدين والبصيرة ، إلى [٥] الرجوع إلى أدلة العقول لينكشف له بها الحق من الباطل ، فيعلم عند ذلك أن الحق فى المحكم ، وأن المتشابه يجب حمله على موافقته.
ومنها : أنه عند نظره فيهما جميعا ، والتباس الأمر عليه يحوج إلى مذاكرة العلماء ومباحثتهم ومساءلتهم ما يحتاج إليه فى أمر دينه إذا كان ممن يطلب الفوز والنجاة ، ومتى رجع إليهم وحصلت المباحثة كان ذلك أقرب إلى أن يقف على ما كلف من معرفة الله تعالى ، وكل أمر أدى إلى ما يؤدى إلى معرفة الله فهو أولى.
[١] فى د : كلما. [٢] من الآية ٩٦ في سورة الأعراف ، وفى د : أهل الكتاب. [٣] ساقطة من د. [٤] فى د : وإنزاله جل وعز أولى من أن يجعله كله محكما. [٥] ساقطة من د.