متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٤٦ - ومن سورة الأنعام
فالمراد به الإنس والجن دون الدواب وغيرها من الحيوان [١] ، لما بيناه من الدلالة ، لأن المقصد بالنذير أن يحذر من المعاصى ويبعث على مجانبتها ، وذلك لا يصح فى الدواب!.
٢١٠ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جعل الكفار ممنوعين ، فقال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) [٣٩] فبين أنه يصرفهم فى المنع والإطلاق كيف شاء!.
والجواب عن ذلك : أنه تعالى لم يذكر الوقت الذى هم فيه بهذه الصفة ، ولا يصح ادعاء عموم الأحوال فى ذلك ؛ لأن الظاهر لا يقتضيه ، لأنه تعالى علقه بأمر ، فقال : ( فِي الظُّلُماتِ ) ولا يعلم بظاهره المراد منه ، ولو كان عاما باطلاقه لمنع هذا التقييد من حمله على ظاهره ، فلا يصح تعلقهم بالظاهر.
ويحتمل أن يريد تعالى : أنه جعلهم بهذه الصفة فى الآخرة ؛ لأنه ذكر ذلك عقيب ذكر الحشر ، فقال : ( ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) [٢] ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، ومتى حمل هذا على هذا الوجه كان محمولا على حقيقته ، وقوله تعالى : ( وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا ) [٣] مما يدل على ذلك.
[١] عد الراغب الأصفهانى من أنواع التأويل المستكره ـ وهو ما يستبشع إذا سبر بالحجة ـ التلفيق بين اثنين ، ( نحو قول من زعم أن الحيوانات كلها مكلفة ، محتجا بقوله تعالى :
[ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ ] وقد قال تعالى : [ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ] فدل بقوله [ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ] أنهم مكلفون كما نحن مكلفون! ) وعنده أن هذا النوع أكثر ما يروج على ( المتكلم الذى لم يقو فى معرفة شرائط النظم ).
انظر مقدمته فى التفسير ص ٤٠٣.
[٢] من الآية : ٣٨. [٣] من الآية : ٩٧ فى سورة الإسراء.