متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٩ - مقدمه
وفيهم من قال : إن المحكم هو ما بين لنا مقاديره وشروطه من الأحكام ، والمتشابه هو ما لم يبين لنا حاله من الصغائر والكبائر. إلى غير ذلك من الخلاف.
قيل له : إن المحكم إنما وصف بذلك لأن محكما أحكمه ، كما أن المكرم إنما وصف بذلك لأن مكرما أكرمه ، وهذا بيّن فى اللغة. وقد علمنا أنه تعالى لا يوصف بأنه أحكم هذه الآيات المحكمات من حيث تكلم بها فقط ، لأن المتشابه كالمحكم فى ذلك ، وفى سائر ما يرجع إلى جنسه وصفته ، فيجب أن يكون المراد بذلك أنه أحكم المراد به بأن جعله على صفة مخصوصة ـ لكونه عليها تأثير فى المراد ـ وقد علمنا أن الصفة التى تؤثر فى المراد هى أن توقعه على وجه لا يحتمل إلا ذلك المراد فى أصل اللغة ، أو بالتعارف ، أو بشواهد العقل. فيجب فيما اختص بهذه الصفة أن يكون محكما ، وذلك نحو قوله تعالى : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ ) [١] ونحو قوله : ( إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ) [٢] إلى ما شاكله.
فأما المتشابه فهو الذى جعله عز وجل على صفة تشتبه على السامع ـ لكونه عليها المراد به ـ من حيث خرج ظاهره عن أن يدل على المراد به ، لشيء يرجع إلى اللغة أو التعارف ، وهذا نحو قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ ) [٣] إلى ما شاكله ، لأن ظاهره يقتضى ما علمناه مجالا ، فالمراد به مشتبه ويحتاج فى معرفته الى الرجوع إلى غيره من المحكمات.
[١] الآيتان : ١ ـ ٢ سورة الإخلاص. [٢] من الآية ٤٤ فى سورة يونس ، وفى : د ( والله ) سبق قلم. [٣] ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ) الأحزاب : ٥٧