متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٥٠ - سورة آل عمران
واحد ؛ لأنه لا بد من القول بأن الإيمان يقبل منه ، فلو كان الدين والإيمان غير الإسلام لدخلا فى باب ما لا يقبل منه ، فإذا يجب أن يكونا [١] الإسلام. ويدخل فى ذلك جميع الواجبات والطاعات ، كانت من أفعال الجوارح أو أفعال القلوب [٢]. والإسلام فى هذا الموضع هو الشرعى لا اللغوى ؛ لأنه لو كان المراد به الاستسلام والخضوع لكان فى أعماله ما يجب أن يقبل لا محالة ، كالصلاة وغيرها.
وليس لأحد أن يقول : إنما بين أن غير الإسلام لا يقبل فمن أين أن [٣] الإسلام مقبول؟ وذلك لأن الغرض بالكلام أن يبين مفارقة الإسلام لغيره فى القبول ، فلو كان الإسلام لا يقبل لبطل هذا الغرض!
١١٦ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه يخص بالهدى المؤمن دون الكافر الظالم ، فقال : ( كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ، وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [٨٦].
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن فى الهدى ما يكون خاصا ، وهو الهدى بمعنى الثواب ، وبمعنى أن يسلك بهم طريق الجنة [٤] ، فلا يمتنع أن يقول :
[١] د : يكون. وتصح بإضافة [ هو الايمان ] بعد كلمة (الإسلام ). [٢] قال الزمخشرى : (فاعلم أن ما يكون من الإقرار باللسان من غير مواطأة القلب فهو إسلام ، وما واطأ فيه القلب اللسان فهو إيمان ) الكشاف : ٢ / ٣٤٧ ، وهذا يخالف ما ذكره القاضى ، والحق أن من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب ، قال تعالى : ( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) ، ومنه متابعة وانقياد باللسان والقلب كقوله تعالى ، في حكاية عن إبراهيم : ( قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ). وكذلك الإيمان منه تصديق باللسان دون القلب ، كإيمان المنافقين ، يقول الله تعالى : ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ) أى آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم. ومنه تصديق باللسان والقلب يقول الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، وواضح صحة استدلال القاضى ، في هذه الآية ، على أن الايمان والاسلام واحد. انظر تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ٣٦٦ / ٣٦٧. [٣] ساقطة من د. [٤] راجع الفقرة (٢٢).