متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٢٠ - ومن سورة البقرة
تعالى إن صيّرهم كفارا أو خلق فيهم المعاصى وما يؤدى إلى الهلاك ، كيف يصح أن ينهاهم عن ذلك؟ وكيف يصح ـ على طريق الإنعام ـ أن يقول ذلك ، وهو الذى يطرحهم فى المهالك!؟
وكيف يقول تعالى : ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) وهو الذى خلق الإحسان؟ ومحبته للإساءة والفساد عندهم كمحبة الإحسان ؛ لأن المحبة هى الإرادة ، ولذلك كل ما [١] أحبه الإنسان فقد أراده ، وكل ما [٢] أراده ، فقد أحبه ، ما لم يستعمل فى إحدى اللفظتين على جهة الاتساع ، فليس لأحد أن يجعل المراد بالمحبّة المدح أو ما يجرى مجراه [٣].
٦٥ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى ما يدل على أنه جسم يجوز عليه المجيء والذهاب [٤] ، فقال : ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ ) [٢١٠]
والجواب عن ذلك : أن ظاهر الكلام لا يصح أن يقول به قوم ؛ لأنه يوجب أنه تعالى يأتيهم فى ظلل من الغمام ، بمعنى أنه مكان له وظرف ، وهذا يوجب أنه أصغر من الظلل والظلل أعظم ، ويوجب أن تكون الملائكة معه فى الظلل ؛ لمكان العطف. وذلك يوجب اجتماعه والملائكة فى الظلل ،
[١] في د : (كلّما ) في الموضعين. [٢] قال القاضي. (اعلم أن المحب لو كان له ، بكونه محبا ، صفة سوى كونه مريدا ، لوجب أن يعلمها من نفسه ، أو يصل إلى ذلك بدليل ، وفي بطلان ذلك دلالة على أن حال المحب هو حال المريد ، ولذلك متى أراد الشيء أحبه ، ومتى أحبه أراده ، ولو كان أحدهما غير الآخر لامتنع كونه محبا لما يريد ، أو مريدا لما يحب على بعض الوجوه) وقد عقد في المغنى ـ ٦ ـ فصلا (في أن المحبة والرضا والاختيار والولاية ترجع إلى الإرادة وما يتصل بذلك) ناقش فيه قول من قال : إن الله تعالى لا يجب كونه محبا لما يريده ، وانتهى إلى القول : بأنه تعالى إذا صح كونه مريدا فيجب كونه محبا ، وكل ما صح أن يريده تعالى صح أن يحبه ، وكل ما أوجب قبح محبته ، أوجب قبح إرادته).
انظر المغنى : الجزء السادس ( الارادة ) ص : ٥١ فما بعدها
[٣] ف : والزوال.