متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١١٤ - ومن سورة البقرة
٥٧ ـ وقوله تعالى : ( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) [١] يدل على أن الإيمان من فعلهم لمكان الإضافة ، ولأنهم قد استحقوا بها الثواب ، فبين أن ورود نسخ القبلة على الصلاة لا يوجب تضييعها.
وقوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ) عقيب ذلك ، يدل على أن هذه الأفعال من قبلهم يستحقون عليها الجزاء ، وأنه تعالى مع رأفته ورحمته وأنواع تفضله لا يجوز أن يبطل على العبد عمله.
٥٨ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه تعالى فى مكان ، فقال : ( الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) [١٥٦] والرجوع إليه يوجب أنه فى مكان!
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أنه قد يقال : رجع أمر زيد إلى فلان ، إذا صار هو المتولى للنظر فيه [٢] ، وإنا رجعنا إلى الحاكم ، إذا عدلوا عن التوسط وجعلوه هو الناظر فى أمرهم ، فقوله : ( إِنَّا لِلَّهِ ) هو تسليم له فيما يفعله من المصالح ؛ لأن العبد يلزمه فيما يخلقه تعالى فيه أن يستسلم وينقاد ، وهذا القول ينبئ عن هذا المعنى.
وقوله : ( وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ) المراد به أنا نرجع إلى حيث لا يتولى
[١] انظر الآية السابقة : ١٤٣. والمعتزلة يستدلون بهذه الآية على أن الإيمان ليس مجرد القول باللسان أو التصديق بالقلب ، بل لا بد فيه من العمل ؛ لأنّ الآية نزلت فى صلاة المسلمين إلى بيت المقدس بعد أن حولوا عنه إلى الكعبة ، فقالوا : كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون إلى بيت المقدس ، وكيف بأعمالنا التى كنا نعمل فى قبلتنا ، فأنزل الله تعالى : ( وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) انظر الطبرى ٢ / ١٧. [٢] انظر الفقرة : ٣٠.