نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٨ - الشرح والتفسير الطائر العجيب
صَنْعَتِهِ، وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ، مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ».
ثم يردفها بالعبارة:
«وَكَيْفَ عَشِيَتْ [١] أَعْيُنُهَا عَنْ أَنْ تَسْتَمِدَّ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ
نُوراً تَهْتَدِي بِهِ فِي مَذَاهِبِهَا، وَتَتَّصِلُ بِعَلَانِيَةِ بُرْهَانِ الشَّمْسِ إِلَى مَعَارِفِهَا. وَرَدَعَهَا بِتَلَأْلُؤِ ضِيَائِهَا عَنِ الْمُضِيِّ فِي سُبُحَاتِ [٢] إِشْرَاقِهَا، وَأَكَنَّهَا [٣] فِي مَكَامِنِهَا [٤] عَنِ الذَّهَابِ
فِى بُلَجِ [٥] ائْتِلَاقِهَا [٦]»
. النقطة الجديرة بالتأمل، إنّ الإمام عليه السلام أشار إلى ثلاث نقاط مختلفة بثلاث عبارات إلى التأثير السلبي لضياء الشمس عليها، فقال: إنّ ضياء الشمس لم يدعها تتلمس طريقها وإنّ أشعة الشمس تمنعها من بلوغ مقاصدها في هذه الطرق (كالطعمة والحجر) وأخيراً أنّها لو سلكت طريقاً وطلعت عليها الشمس فجأة لصدتها عن مواصلة السير.
وبالنتيجة، ليس لها سوى الاختباء في الحجور المظلمة لتأمن أشعة الشمس، وعلى هذا الأساس فإنّ ضياء الشمس الذي ينير كل شيء ويساعد جميع الكائنات الحية لأن تعرف طريقها وتواصل حركتها نحو غايتها، لا يبدو كذلك بالنسبة لهذا الطائر «الخفاش» فآثاره سلبية عليه، وعلى العكس من ذلك فهو يستفيد من الظلمة التي تسوق كل ما سواه إلى السكون، ليبدأ بالنشاط والحركة.
ومن هنا واصل كلامه فقال:
«فَهِيَ مُسْدَلَةُ [٧] الْجُفُونِ [٨] بِالنَّهَارِ عَلَى
[١]. «عشيت» من مادة (عشو) بمعنى الظلمة، إشارة إلى أنّ عيونها عاجزة عن رؤية ضياء الشمس
[٢]. «سبحات» جمع سُبحة، على وزن لقمة، بمعنى النور، كما تعني الظُلمة
[٣]. «اكنها» من مادة (كن) على وزن جن، تعني في الأصل، الظرف الذي يحفظ فيه الشيء، ثم اطلقت على جميع الوسائل التي تؤدي إلى الخفاء
[٤]. «مكامن» جمع مكمن، من مادة (كمون)، بمعنى الاخفاء والمكمن هو الموضع الذي يختفي فيه الإنسان أو الشيء
[٥]. «بلج» جمع بلجة، أول ضياء الصباح
[٦]. «ائتلاق» من مادة (الق) على وزن برق، بمعنى البريق، وبلج ائتلاقها بمعنى أول الضياء ولمعان الشمس
[٧]. «مسدلة» من مادة (سدل) على وزن عدل، تعني في الأصل، هبوط الشيء من الأعلى إلى الأسفل بحيثيتغطى وهي هنا إشارة إلى سقوط أجفان الخفاش إلى الأسفل
[٨]. «جفون» جمع جفن، على وزن قفل، ما يغطي العين