نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٣ - الشرح والتفسير لم التأسي بالنبي الأكرم صلى الله عليه و آله
ثم واصل عليه السلام حديثه بالقول:
«فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ مُحَمَّداً- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- عَلَماً لِلسَّاعَةِ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِراً بِالْعُقُوبَةِ. خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً، وَوَرَدَ الْآخِرَةَ سَلِيماً. لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّهِ»
. إشارة إلى أنّ النبي صلى الله عليه و آله ورغم عظمته وكونه عَلماً للساعة وبصفته البشير والنذير فقد عاش تلك الحياة البسيطة المتواضعة إلى درجة أنّه رحل عن الدنيا ولم يملأ بطنه أو يبني له بيتاً مشيداً (طبعاً بنى النبي صلى الله عليه و آله حجرات لأزواجه عند المسجد من الطين وسعف النخيل والعبارة
«لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ»
تشير إلى بيوت الأثرياء الذين كانوا يبنون بيوتهم من الحجر).
وأخيراً خلص إلى هذه العبرة:
«فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللَّهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ، وَقَائِداً نَطَأُ عَقِبَهُ!»
أجل، فإحدى نعم اللَّه العظمى على البشر وجود هؤلاء الزعماء العظام الذين حفلت جميع حركاتهم وسكناتهم بالدروس والعبر، ولم تنتفع أيّة أمة كالمسلمين من النعمة الفضيلة، فالأُمم وإن كانت لها عظماء، إلّاأنّ نبي الإسلام صلى الله عليه و آله كان أعظم الجميع، وليت شعري أي كفران للنعمة أعظم من ضلالتنا وحيرتنا رغم نعمة اللَّه علينا بهذا القائد العظيم. وأخيراً وليثبت الإمام عليه السلام أنّه أول من يتمثل عملًا بما يقول وأنّه يحذو حذو رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقد قال:
«وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ [١] مِدْرَعَتِي [٢] هذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا. وَلَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلَا تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟ فَقُلْتُ: اغْرُبْ [٣] عَنِّي، فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى!»
. يستفاد من هذه العبارة بوضوح أنّ الإمام عليه السلام كان يعطي ثوبه بين الحين والآخر ليرقعوه (وإن قام أحياناً بهذا العمل شخصياً) وقد كثرت رقعات ثوبه حتى شعر الإمام عليه السلام بالخجل من رقعه، مع ذلك لم يكن مستعداً لطرحه. شتان بين سيرة الإمام عليه السلام وبعض الأفراد الذين
[١]. «رقعت» من مادة (ترقيع) معروفة، وتستعمل اليوم بخصوص تطعيم الأعضاء
[٢]. «مدرعة» ثوب الصوف
[٣]. «اغرب» من مادة (غروب) اذهب وابعد