نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥ - الشرح والتفسير القرآن ربيع القلوب وينابيع العلوم
عن هذا الفيض الإلهي. ولعل هذه العبارة تشبه تلك التي ذكرها الإمام عليه السلام في الخطبة ١٨٢ حين أعرب عن أسفه على شهادة صحبه الأوفياء، فبكى، وقال:
«أَوِّهْ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ».
فقد صنّف الإمام عليه السلام الناس إلى ثلاث فئات، فئة يقظة تنتفع دائماً بآيات اللَّه، وأخرى غارقة في ماديات الدنيا نَسِيَت القرآن، وثالثة، عمدت إلى تناسي تعاليم القرآن، فهي تمرّ عليه بكل بساطة رغم معرفتها بأهدافه. طبعاً إن رأينا المجتمع الإسلامي يشكو المرض من عدّة جوانب، فذلك ليس لتقصير الطبيب ولا عدم فائدة الوصفة الطبية، بل السبب الحقيقي يكمن في عدم الإلتزام بهذه الوصفة الإلهية الشافية.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه وكأنّه ردّ على إشكال مَن يقول: إن كانت هناك فئة نَسِيَت طريق الحق أو تناست، فذلك لأنّ طريق الحق ليس معروفاً وقد امتزج بطرق الباطل، بحيث لا يبدو تشخيصه سهلًا، فقال:
«فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- كَانَ يَقُولُ: «يَابْنَ آدَمَ، اعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ، فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ [١] قَاصِدٌ [٢]».
يتّضح من العبارة أنّ للخير والشرّ معانيَ واسعة، كما تشير العبارة إلى الحسن والقبح العقليين في أنّ الإنسان يدرك بعقله وفكره الخير والشر، وإن عمل به فقد طوى مسافة واسعة من الطريق القويم والجادة المستقيمة. وللوقوف على عظمة القرآن وأهميّة مضمونه، فقد أوردنا مباحث كثيرة في الأجزاء السابقة (الجزء الأول، ذيل الخطبة ١٨، والجزء الرابع، ذيل الخطبة ١١٠) وسنتطرق بإذناللَّه إلى مبحث مفصل بهذا الشأن في شرح الخطبة ١٩٨.
[١]. «جواد» تعني في الأصل، الفرس السريع، ومن مادة (جود)، معروف، ثم اطلقت على الإنسان المجدوالمستقيم
[٢]. «قاصد» من مادة (قصد) بمعنى الإعتدال، وعليه فالقاصد، مَن يسير على الدرب دون إفراط وتفريط