نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - وصايا ضرورية
لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ».
ثم رغّب مخاطبيه- الإنسانية جمعاء- في ترك التعلق بالدنيا وقد عرض لهم نماذج السلف الصالح فقال:
«فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ.
قَوَّضُوا [١] مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِل، وَطَوَوْهَا [٢] طَيَّ الْمَنَازل».
وصايا ضرورية
١. ورد الحثّ في الإسلام والتأكيد على حسن الظن، فما معنى تأكيد الإمام عليه السلام هنا على إساءة الظن؟ سبب ذلك واضح في أنّ حسن الظن يتعلق بالآخرين، أمّا بالنسبة للذات التي تعيش طبيعياً حسن الظن المفرط إلى درجة رؤية الضعف قوّة، والرذيلة فضيلة، ورد الحثّ على إساءة الظن لإيجاد حالة من التوازن. فلابدّ للإنسان من نقد ذاته وتقييم أعماله وسلوكه دون تهاون لينفتح على الكمال. فهو كذاك الذي يجتاز طريقاً خطراً، فإن اطمأن للطريق، هوى وإن احتاط وحذر، نجى.
جدير بالذكر أنّ نقد الذات لا يتنافى والثقة بالنفس، فالثقة بالنفس من قبيل وجود قوّة عظيمة لدى الإنسان وهو عالم بها، وهذا لا يمنع من الحذر في مواضع الخطر وعدم نسيان الإحتياط حين الإستعانة بتلك القوّة.
٢. أورد الإمام عليه السلام لمخاطبيه نموذجين (كالسابقين من قبلكم) و (الماضين أمامكم) لانطواء حياة كل فئة منهما على الدروس والعبر.
٣. اختتم الإمام عليه السلام الخطبة بأمرهم بالنظر إلى الدنيا كمَن قوض عماد الخيمة وجمعها وسلك سبيله يطوي المنازل دون الإقامة في الدنيا والإستقرار فيها، ويبدو أنّ جميع مشاكل أهل الدنيا تنبعث من هنا، في أنّهم نسوا الموت تماماً وظنوا بخلودهم في الدنيا، وكأنّهم لا يرون الزلازل والسيول التي تضرب بعض المناطق
[١]. «قوضوا» من مادة (تقويض) بمعنى الهدم، والمراد هنا نزع أعمدة الخيمة وإطنابها لرفعها وجمعها
[٢]. «طووها» من مادة (طي) بمعنى الاجتياز