نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٠ - الشرح والتفسير أسباب تأخير عقوبة قتلة عثمان
القائمة آنذاك ليتضح لهم عدم عملية اقتراحهم، فقال:
«وَالْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ [١] عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ، يَمْلِكُونَنَا وَلَا نَمْلِكُهُمْ!»
. كيف يمكن الوقوف بوجه فئة متحدة وغاضبة أوائل الخلافة؟ وهل هناك سوى سفك المزيد من الدماء دون جدوى؟! والشاهد على ذلك ما رواه بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ الإمام عليه السلام جمع الناس ووعظهم.
ثم قال:
«لتقم قلتة عثمان»
فقام الجميع سوى قلة قليلة [٢]. ثم أشار عليه السلام إلى نقطة أخرى، فقال:
«وَهَاهُمْ هؤُلَاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانُكُمْ، وَالْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ، وَهُمْ خِلَالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ [٣] مَا شَاؤُوا»
. يستفاد من هذه العبارات أنّ الثورة ضد عثمان كانت متجذرة وقد أسهم المحرومون فيها بصورة واضحة.
ثم قال عليه السلام
«وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ!»
. إشارة إلى أنّكم لا تستطيعون القيام بعمل في ظل هذه الظروف ولا أنا. ومارس عليه السلام تحليلًا آخر للتأكيد على هذا الأمر، فقال:
«إِنَّ هذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ، وَإِنَّ لِهوُلَاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً»
. إشارة إلى أنّه إن وجب مؤاخذة عثمان لسوء تصرفه في بيت مال المسلمين وتسليطه فساق القوم على رقاب المسلمين وإغداق المناصب عليهم، فلابدّ أن تتمّ من خلال الطرق الشرعية وقضاة العدل، ونتيجة العمل غير المدروس إنّما هو ضرب من ضروب الأنشطة الجاهلية، وقوله: إنّ لهؤلاء القوم مادة، تأكيد لتلك الحقيقة التي ذكرها في العبارة السابقة من أنّ تلك الفئة ليست وحيدة في الساحة، بل يقف خلفها الأعراب وطائفة من الساسة المحترفين المتعطشين للمناصب، وعليه فليس من المصلحة الإصطدام بها.
[١]. «مجلبون» من مادة (جلب) على وزن كلب، بمعنى السوق والطرد وتطلق على الأفراد الذين يغيرون مواقفهمبسهولة، وجلب، على وزن غضب، وإجلاب، بمعنى الجمع، ومجلبون، هنا إشارة إلى الثوار الذين جمعوا الناس ضد عثمان
[٢]. منهاج البراعة، ج ١٠، ص ١٠٢. روى الحديث المرحوم العلّامة المجلسي في بحارالأنوار، ج ٣١، ص ٥٠٣
[٣]. «يسومونكم» من مادة (سوم) على وزن قوم، بمعنى البحث عن الشيء، كما وردت بمعنى تكليف الآخرينبعمل