نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٦ - تأمّل بنو اسرائيل
(في صحراء سيناء) فقال:
«لكِنَّكُمْ تِهْتُمْ [١] مَتَاهَ بَنِي إِسْرائِيلَ. وَلَعَمْرِي، لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ
التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً [٢] بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنى، وَوَصَلْتُمُ
الْأَبْعَدَ»
. ثم أوضح في الختام سبيل النجاة وذكرهم بأنّ باب العودة إلى الحق مفتوح على الدوام فقال:
«وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ، سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ الاعْتِسَافِ [٣]، وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ [٤] عَنِ الْأَعْنَاقِ».
تأمّل: بنو اسرائيل
...
شبه الإمام عليه السلام بالعبارة المذكورة طائفة من المسلمين الذين حادوا عن الحق واحتاروا كبني إسرائيل الذين تاهوا في الصحراء أثر عنادهم وعدم استجابتهم لنبيهم موسى عليه السلام، بجهاد غاصبي بيت المقدس. وقد نقل بعض شرّاح نهج البلاغة رواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«لتركبنّ سنَنَ مَن كان قبلكم حذو النعل النعل، والقذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا حُجر ضبّ ضبّ لدخلتموه، فقيل: يا رسول اللَّه اليهود والنصارى؟ قال: فمن إذن» [٥]
. وبغض النظر عن الإشكال الذي يرد على اسناد الرواية، فإنّ تطبيقها على الواقع لا يخلو من إشكال أيضاً، وعلى فرض صحة الرواية فإنّه يمكن حملها على الغالب. إشارة إلى أنّ أغلب الحوادث المريرة التي شهدتها الأقوام السابقة سيشهدها المسلمون، ويعيد التاريخ نفسه، ذلك لأنّ الأسباب المتشابهة تتطلب مسببات متشابهة.
[١]. «تهتم ومتاه» كلاهما من مادة (تيه)، تعني في الأصل، الزهو والتكبر، ثم استعملت بمعنى الحيرة والضلالعن الطريق وهذا هو المراد بها في العبارة، أي احترتم كحيرة بني إسرائيل (متاه مصدر ميمي)
[٢]. «أضعاف» جمع ضعف، على وزن فعل، معروف
[٣]. «اعتساف» من مادة (عسف) على وزن وصف، بمعنى الضلال
[٤]. «فادح» بمعنى ثقيل وشاق، وهي هنا تأكيد لكلمة ثقل
[٥]. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٩، ص ٢٨٦؛ منهاجالبراعة، ج ١٠، ص ٨٣