نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٨ - الشرح والتفسير ثلاث وصايا أخلاقية
النزاع بينهما بما يعكر صفو المجتمع.
أمّا الوصية الثالثة والتي تمثل في الواقع تأكيداً للوصايا السابقة:
«وَلَا تَكُونُوا كَجُفَاةِ [١] الْجَاهِلِيَّةِ: لَافِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ، وَلَا عَنِ اللَّهِ يَعْقِلُونَ»
. نعم، فالجهال لم ينفتحوا على التربية الدينية ولم يستعينوا بعقولهم، فهم زمرة فضة متحللة تهد كيان المجتمع، لا ترحم الصغير ولا تتعظ بنصائح الكبير.
ثم خاض عليه السلام في هذه الفئة فقال على سبيل التمثيل:
«كَقَيْضِ [٢] بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ [٣]
يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً، وَيُخْرِجُ حِضَانُهَا [٤] شَرّاً»
. إشارة إلى الحذر من كون ظاهركم الإسلام وباطنكم كجفاة العصر الجاهلي بحيث يشك الصالحون بكم حين التعامل، فلو عاملوكم بصدق وأمانة خشوا من باطنكم الذي تشم منه رائحة النفاق، وإن عاملوكم كمنافقين خشوا أن يكون باطنكم طاهراً. من المعروف أنّ النعامة تحفر الرمل وتبيض هناك وهكذا تفعل الحية والأفعى، ومن هنا فإنّ الإنسان حين يرى هذه البيضة لا يعلم هل هي للأفعى تعود أم النعامة؟ فيشك في التعامل معها! وبعبارة أخرى أنّ صورة الإنسان الجافي صورة إنسان إلّاأنّ باطنه مملوء بالشر والفساد، كالبيضة التي صورتها بيضة الطيور وباطنها حية قاتلة. وعلى هذا الضوء فقد رسم الإمام عليه السلام بهذا التشبيه الرائع صورة واضحة للمشاكل التي تفرزها التعامل مع الفرد المنافق.
[١]. «جفاة» جمع جافٍ، من مادة (جفاء)، بمعنى الغلظة، ويقال للشخص العنيف، الجافي
[٢]. «قيض» قشرة البيضة، وتأتي بمعنى كسر البيضة أيضاً
[٣]. «أداح» جمع دَحْي، على وزن نَهْي، بمعنى مبيض الانعام في الرمال، ومن مادة (دحو) على وزن سَهْو، بمعنى السعة
[٤]. «حضان» بمعنى البيض تحت بطن الطائر ليفقس عن فرخ، ومن مادة (حضانة) بمعنى ما تحت الجناحوالريش