نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - الشرح والتفسير حيرة العقول في الوصف
ثم قال:
«لَا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ، وَلَا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ!»
. لا شك في أنّ ريش الطاووس ورغم كل هذا الجمال لكنه قد يتعرض مع مرور الزمان إلى الإتساخ بالتراب والغبار، ومن هنا فإنّ اللَّه تعالى ينزع عنه كل سنة لباسه القديم ويغطي جسمه بلباس جديد وجميل ليبقى غضاً جميلًا على الدوام. غالباً ما تسقط أوراق الأشجار في فصل الخريف ويسلب الطاووس نشاطه وحيويته، وحين تتفتح الأزهار في فصل الربيع تدب الحيوية في الطاووس ويكتسي حلة جديدة ملونة تجعل قصبه الأبيض الفضي اللون يبدو كسيقان الأشجار.
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة لطيفة فقال:
«وَاذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً، وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً [١]»
. لما كانت على ريش الطاووس دوائر جميلة بألوان مختلفة، وكل لون يختص بخصلة معينة لتبدو بصورة رائعة.
وأخيراً يخلص الإمام عليه السلام إلى هذه النتيجة فقال:
«فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هذَا عَمَائِقُ [٢] الْفِطَنِ، أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ [٣] الْعُقُولِ، اوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ! وَأَقَلُ
أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ!»
. نعم؛ إن عجز الإنسان العاقل والمفكر عن الوقوف على عجائب الطاووس وتعذر عليه وصفه وإدراكه فكيف بعالم الخلقة وأسراره؟! وإضافة إلى النتيجة السابقة الواضحة في موضوع معرفة اللَّه وإدراك عظمة الخالق وسعة علمه وقدرته إنّما خلص إلى نتيجة أخرى، فإن عجزنا عن إدراك كائن من هذه الكائنات فكيف لنا بإدراك كنه الذات والصفات والتعرّف على اللَّه كما هو [٤]، فقال:
«فَسُبْحَانَ الَّذِي
[١]. «عسجدية» من عسجد، الذهب
[٢]. «عمائق» جمع عميقة، الدقيق والعميق
[٣]. «قرائح» جمع قريحة، بمعنى الذهنية والذكاء الذي أودعه اللَّه في الفطرة
[٤]. على ضوء التفسير المذكور فإنّ جميع الضمائر تعود إلى الطاووس، وهذا ما فهمه أغلب شرّاح نهج البلاغةوإن مروا عليه بنوع من الإجمال والإبهام، كما يحتمل أن يعود الضمير في العبارة (أعجز الألسن عن تلخيص صفته) وكذلك العبارة (عن تادية نعته إلى اللَّه تعالى). وعليه فمفهوم العبارة: أنّى للعقل بإدراك كنه الذات والصفات وهي عاجزة عن إدراك صفات المخلوق