نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٤ - الشرح والتفسير خصائص الحاكم العادل والظالم
القتال وسفك الدماء ومازلنا نشهد حتى العصر الراهن بعض التبعات والاختلافات التي تحدث بين المسلمين. والشاهد على ذلك الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله والذي ورد في سنن أبي داود أنّه قال:
«وَإِنَّما أَخافُ عَلئ أُمَّتِي الأَئِمَّةَ المُضِلِّينَ وَإِذا وَضِعَ السَّيفَ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْها إِلى يَوْمِ القِيامَةِ» [١].
ثم خاض الإمام عليه السلام في شرح ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فقال:
«وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا، فَلَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ؛ يَمُوجُونَ [٢] فِيهَا مَوْجاً،
وَيَمْرُجُونَ [٣] فِيهَا مَرْجاً»
. وتشير العبارة
«وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا»
إلى أنّ الساسة المحترفين يحاولون تضليل الرأي العام فهم ينطلقون في الظاهر على أساس المطالبة بدم الخليفة المقتول، لكنهم يزيّفون الحقائق باطناً بهدف الوصول إلى الخلافة، فهم يصورون الظالم مظلوماً والمظلوم ظالماً [٤]. والعبارة
«وَيَبُثُّ الْفِتَنَ فِيهَا»
وهي إشارة إلى اتساع الفتن في صفوف الأُمّة نتيجة ذلك، والعبارات القادمة بمثابة نتيجة، فمن جانب يصعب تمييز الحق من الباطل ومن جانب آخر فإنّ الناس سيعومون في بحر من الفتن. والفارق بين يموجون ويمرجون أنّ الأُولى إشارة إلى اقتتال الأُمّة في تلك الفتن، والثانية إشارة إلى اختلاط الحق والباطل في المجتمع بحيث يصعب تمييز الحق من الباطل. جدير بالذكر أنّ كل ما تنبّأ به النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في الرواية وأخبر به أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام وقع دون أدنى زيادة أو نقصان.
فقد ألب عثمان وبطانته الأُمّة عليهم لظلمهم حتى قتل عثمان واندفعت عقب ذلك فئة من بني أمية لتستغل الأحداث السياسية لصالحها وارتفعت حدة الخلافات بين
[١]. سنن أبي داود، ج ٤، ح ٤٢٥٢
[٢]. «يموجون» من مادة (موج) بمعنى الحركة، كما تستعمل بمعنى الاضطراب والحيرة والكناية
[٣]. «يمرجون» من مادة (ورج) على وزن فلج، بمعنى الاختلاط أو البعث والترك، ولما كان الاختلاط وتركالشيء يؤدّي إلى الفساد، فإنّ هذه المفردة تستعمل بمعنى الفساد
[٤]. يفهم من بعض كلمات شرّاح نهج البلاغة أنّ هذه العبارة جزء من حديث النبي صلى الله عليه و آله لكن بالنظر إلى أنّالحديث المذكور ورد في بعض المصادر المعروفة (كسنن أبي داود) دون ذيلها، فالذي يستفاد أنّ حديث النبي صلى الله عليه و آله ينتهي بالعبارة (إلى يوم القيامة)