نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٥ - الشرح والتفسير سيرة النبي صلى الله عليه و آله إزاء عبدة الدنيا
النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يجانب الطعام إلى هذه الدرجة وكان أخلى بطناً من عامة الناس، فكيف كان يصمد أمام العدو في المعركة حتى وصفه علي عليه السلام بقوله:
«كُنَّا إِذا احْمَرَّ البأسُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولُ اللَّهُ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبُ إِلَى العَدُو مِنْهُ» [١]
. فقد ورد مثل هذا السؤال بشأن علي عليه السلام كيف وقف تلك المواقف الصعبة على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في معركة بدر واحد والأحزاب وخيبر وحنين وإبان حكومته في الجمل وصفين والنهروان ولم يكن طعامه سوى الشعير. وقد أجاب الإمام عليه السلام عن السؤال في كتابه إلى عثمان بن حنيف [٢] فقال:
«ألَا إِنَّ الشَّجَرَةَ البَريِّةِ
أَصْلَبُ عُودَاً وَالرَّواتِعُ الخَضِرَةِ أَرَقُّ جُلُودَاً وَالنَّابِتَاتِ الغِذيَةَ أَقوى وُقُوداً وَأَبطَأُ خُمُودَاً»
وعليه، فالنهم في الطعام ليس بدليل على القوّة والقدرة. ولعل أولئك الأعراب الذين كانوا يقتاتون على الأطعمة العادية قد ابلوا بلاءاً حسناً في الحرب التي نشبت بين ايران والروم على العكس من أولئك الجنود الذين كانوا يطعمون مختلف الأطعمة، فقاوموا وصمدوا بالشكل الذي أذهل الجميع. القضية الأخرى هي أنّ معنويات المقاتل هي التي ترسم صورة واضحة عن مصيره في جبهة القتال لا الطعام وانواعه، وكانت معنويات النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلام في القمة بما أهلهما لتلك الشجاعة الفائقة. جدير ذكره أنّ ما ورد بشأن طعام النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وعلي عليه السلام لا يعني أنّهما كانا يتناولان مثل ذلك الطعام طيلة حياتهما، بل المراد أنّهما لم يتعلقوا بطعام معين قط.
[١]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٢٢٦
[٢]. نهج البلاغة، الرسالة ٥٣