نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣ - الشرح والتفسير سيرة النبي صلى الله عليه و آله إزاء عبدة الدنيا
القسم الخامس
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى. وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللَّهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَالْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ. قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً. أَهْضَمُ أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً، وَأَخْمَصُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلَّا حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ، وَمُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اللَّهِ.
الشرح والتفسير: سيرة النبي صلى الله عليه و آله إزاء عبدة الدنيا
إنّ اللَّه جعل أنبياءَه من البشر ليكونوا أُسوة للآخرين من جميع النواحي؛ ولو كانوا من جنس الملائكة لتعذر التأسي بهم ولأصاب الشلل أهم مفاصل حركتهم الرسالية المتمثلة بالتعاليم العملية. والواقع مهما كان الخطيب متمكناً وبليغاً والكاتب فصيحاً ومتعمقاً فإن تأثير مواعظه ونصائحه لا يرقى إلى الأسوة العملية، ولا يمكن مقارنة ما يستفيده الآخرون من السيرة العملية لأولياء اللَّه مع تلك التي تحصل عند سماع الوعاظ؛ ومن هنا ركز الإمام عليه السلام بعد ذكره لبعض الأنبياء على سيرة الرسول اللَّه صلى الله عليه و آله في اطار مواجهته لأصحاب الدنيا الذين تكالبوا عليها في ذلك الزمان وفي كل زمان، فأشار قبل الخوض في الجوانب العملية لسيرة النبي صلى الله عليه و آله إلى رؤيته للدنيا فقال:
«فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الْأَطْيَبِ الْأَطْهَرِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ- فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ