نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - عبيد الدنيا
رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ»
. فهذا دليل واضح فالفلاح الذي يرجو جنى ثمار مزرعته ينهمك في سقيها ودفع الآفات عنها وتوفر كافّة مقدمات الانبات والأثمار، فإن ادّعى مزارع الرجاء لكنه جلس في بيته ولم يقدم على أي عمل فسوف يتفق الجميع على أنّ رجاءه كاذب فهو يتخيل الرجاء دون واقعية لذلك الخيال، فالرجاء الصادق المقرون بطاعة اللَّه والسير على سبيله والفوز برضاه. قيل للإمام الصادق عليه السلام أنّ جماعة يرتكبون الذنوب ويرجون عفو اللَّه ورحمته فقال:
«كَذَّبُوا لَيْسُوا بِرَاجِينَ أَنَّ مَنْ رَجا شَيئاً طَلَبَهُ وَمَنْ خافَ شَيئاً هَرَبَ مِنْهُ» [١].
ثم خاض عليه السلام في تفاصيل ذلك الخوف والرجاء فقال:
«وَكُلُّ رَجَاءٍ- إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى- فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ [٢] وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ [٣] إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ».
يبدو دليل ذلك واضحاً فليس هنالك من مبدأ للخير سوى اللَّه وكل من قدر على الإتيان بالخير فبمعونته (لا مؤثر في الوجود إلّااللَّه). وعليه فلا ينبغي التعلق سوى باللَّه والرجاء لما عنده، فالذي ينفع ويضر ويثيب ويعاقب هو اللَّه وحده وليس للآخرين من ذلك شيء كما ورد في القرآن الكريم: «وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» [٤]. صحيح أنّ اللَّه ترك للعبد قدرة الإتيان بالأعمال، إلّاأنّ ذلك لا يعني سلب القدرة عن ذاته المقدّسة. ولذلك لابدّ من حصر الرجاء في تلك الذات والخوف من مخالفتها.
[١]. اصول الكافي، ج ٢، ص ٦٨
[٢]. «مدخول» من مادة (دخل) على وزن أجل، بمعنى الفساد، وعليه فالمدخول، هو المغشوش غير الخالص
[٣]. «محقق» معلوم وقطعي وثابت، وورد في العبارة المذكورة صفة لخوف- ولابدّ أن يكون مجروراً إشارة إلى أنّ خوفهم من اللَّه ثابت لا غبار عليه، ذلك لأنّه هو الذي يؤاخذ العباد وعليه إن خفنا اللَّه ولم نعص أوامره فسوف لن نخاف أي أحد. إلّاأنّ بعض الشرّاح ذهبوا إلى أنّ محقق خبر كل خوف فتكلفوا مرجع الضمير في «فأنّه» وكذلك الاستثناء ومفهوم العبارة، بينما لو اعتبروا محقق صفة لخوف لوضح معنى العبارة تماماً، ولعل العبارة السابقة بشأن الرجاء قرينة جيدة على هذا المعنى، بعبارة أخرى أنّ الإمام عليه السلام قال ببطلان كل رجاء سوى رجاء اللَّه وكل خوف سوى خوف اللَّه
[٤]. سورة البقرة، الآية ١٠٢