نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٦ - الدعم المطلق
بين عقيل وسائر المسلمين في العطاء من بيت المال، فإنّ قرابة عثمان تهافتت على بيت المال حتى عدت العراق بستان قريش وبني أمية [١].
ثم قال:
«وَأَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ»
. أي أنّي حفظتكم من وساوس شياطين الجن والانس في مسيرة طاعة اللَّه وعبوديته، ودفعت عنكم شر الأعداء. وأشار إلى دوره في عتقهم من قيود الذل والظلم والأسر فقال:
«وَأَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ [٢] الذُّلِّ،
وَحَلَقِ [٣] الضَّيْمِ [٤]»
. وذلك لأنّ عهد عثمان وحكومة بني أمية وبني مروان وسيطرتهم على مقدرات المسلمين شهدت اتساع رقعة الظلم والجور الذي وصل إلى كل مكان، ولم يكن هنالك من اعتبار سوى لأولئك الأفراد المتعاونين مع السلطة والمستبدين؛ وقد أنقذهم أمير المؤمنين علي عليه السلام من هذه الحكومة القبلية وحررهم من أيدي شرار بني أمية وبني مروان.
ثم اختتم خطبته بالإشارة إلى دوافعه من تلك الأعمال الحسنة تجاههم والتي لا تنبعث من اقرارهم بحقه وفضله بل:
«شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ وَإِطْرَاقاً [٥] عَمَّا أَدْرَكَهُ
الْبَصَرُ، وَشَهِدَهُ الْبَدَنُ، مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ»
. فالواقع مراد الإمام عليه السلام أنّكم لم تسدوا إليَّ معروفا لأكافئكم عليه، بل ما أكثر الخطوب والمحن التي خلفتموها عليَّ، فإن أسديت لكم معروفاً ففي سبيل اللَّه وأداء الوظيفة الشرعية. وعلى ضوء هذا التفسير فإنّ
«الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ»
في هذه العبارة إشارة إلى تمرد الناس وغدرهم بالإمام عليه السلام، بينما فسّرها البعض من الشرّاح بالمنكرات بهذا الحجم على عهد الإمام عليه السلام ولم ينهاهم ويردعهم عنها؟ فأجابوا: لم يكن بوسع الإمام عليه السلام الحيلولة دون بعض
[١]. شرح نهج البلاغة لابن أبيالحديد، ج ٢، ص ١٢٩. قول سعيد بن العاص والي عثمان على الكوفة
[٢]. «ربق» جمع ربقة، على وزن فتنة، الحبل الذي يربط به الشخص، كما فسّره البعض بالحبل الذي يشتملعلى عدّة عقد
[٣]. «حلق» جمع حلقة، معروف
[٤]. «الضيم» الظلم والحيف
[٥]. «أطراق» بمعنى السكوت والاغماض عن مطلب معين