نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - الشرح والتفسير حضور المحكمة الإلهيّة
وهي أنّ الإنسان كائن مادي وليس له من معرفة عميقة بعالم ماوراء المادة ولا يشعر بقرب اللَّه منه؛ إلّاأنّه يدرك هذا المطلب تماماً حين يقال له إنّ أعضاء بدنك ستشهد عليك يوم القيامة، كما يعير هذا الموضوع أهميّة كبرى إن قيل له: عليك ملكان يكتبان كل أعمالك، وهذا بدوره يمثل عنصراً مهمّاً في ردعه عن ارتكاب الذنوب والمعاصي. فاللَّه سبحانه وتعالى أراد بكل وسيلة أن يصد عباده عن الذنوب، وشهادة الأعضاء والملائكة واحدة من هذه الوسائل.
الغريب في الأمر أنّ هؤلاء الحفظة يحصون على الإنسان حتى عدد أنفاسه ولا يحتاجون في كتابتهم لأعمالنا لأدنى سراج ومصباح، فهم يكتبون حتى في عتمة الظلمة المطلقة، ولكن ما كيفية هذه الكتابة؟ قطعاً ليس ذلك من قبيل كتابتنا وإن لم نحط علما بتفاصيل ذلك.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه عن الموت والقبر الذي يهزّ الغافل بعنف فقال:
«وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ. يَذْهَبُ الْيَوْمُ بِمَا فِيهِ، وَيَجِيءُ الْغَدُ لَاحِقاً بِهِ»
. المراد من
«الغد»
قرب نهاية العمر والموت الذي إن غفل عنه الإنسان يهوى في مستنقع الغفلة فإن رآه قريباً راقب أعماله وقام بوظيفته وتاب من ذنوبه. حقاً أنّ نهاية العمر ليست بعيدة مهما عمّر الإنسان، ذلك أنّ الأشهر والسنين تمرّ بسرعة إلى جانب الحوادث غير المتوقعة والأمراض التي تهجم على الإنسان فجأة وتقضي عليه. وذهب بعض الشرّاح لنهج البلاغة إلى أنّ المراد ب
«الغد»
في العبارة المذكورة غد القيامة، وهذا المعنى وإن كان قريباً إلّاأنّ المعنى الأول وبالاستناد إلى العبارات القادمة التي تحدثت عن القبر أنسب.
ثم ذكّر الجميع بوحشة القبر فقال:
«فَكَأَنَّ كُلَّ امْرِىءٍ مِنْكُمْ قَدْ بَلَغَ مِنَ الْأَرْضِ مَنْزِلَ وَحْدَتِهِ، وَمَخَطَّ [١] حُفْرَتِهِ. فَيَا لَهُ مِنْ بَيْتِ وَحْدَةٍ، وَمَنْزِلِ وَحْشَةٍ، وَمُفْرَدِ غُرْبَةٍ!».
[١]. «مخط» من مادة (خط) بمعنى الخط والعلامة، فهو اسم مكان، والمراد به في العبارة، المكان الذي يُخط لحفر القبر