نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٤ - الشرح والتفسير حضور المحكمة الإلهيّة
يُكِنُّكُمْ [١] مِنْهُمْ بَابٌ ذُورِتَاجٍ [٢]»
. العبارة
«أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُم»
إشارة إلى شهادة أعضاء بدن الإنسان وجوارحه وجلده يوم القيامة، كما عبّر عن ذلك القرآن الكريم: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» [٣] ثم قال:
«شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ» [٤]. بالنظر أنّ معنى «الرصد» الرقيب، و «عيون» بمعنى الاطلاع فإنّ المفردتين من قبيل الإجمال والتفصيل؛ أي أنّ مراقبي أعمال الإنسان في الدرجة الأولى أعضاؤه وجوارحه التي تنطق يوم القيامة وتشهد على جميع أعماله. أمّا ما ذهب إليه بعض شرّاح نهج البلاغة من أنّ «الرصد» يعني وجدان الإنسان الذي يلومه على الأعمال السيئة، فليس بصحيح؛ لأنّ الوجدان قاضي الباطن لا المراقب والشاهد الكامن في مفهوم الرصد. وهل هذه الشهادة بلسان القال والنطق المتعارف أم بلسان الحال وشهادة الآثار؟ الاحتمالان واردان؛ لأنّ أي عمل يقوم به الإنسان تنعكس آثاره على جميع أعضائه وستظهر هذه الآثار يوم القيامة لتفصح عن جميع أعماله التي أتى بها طيلة عمره، كما يمكن تبديلها إلى أمواج صوتية يسمعها الجميع. والعبارة
«وَحُفَّاظَ صِدْقٍ»
إشارة إلى الملائكة الموكلة بضبط أعمال الإنسان، كما ورد في القرآن الكريم: «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَاماً كَاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ» [٥] وهنا يرد هذا السؤال المعروف: ما حاجة اللَّه إلى هؤلاء الملائكة رغم علمه الذي أحاط بكل شيء وأنّه أقرب إلينا من حبل الوريد؟ وتتضح الاجابة عن هذا السؤال من خلال الالتفات إلى هذه النقطة
[١]. «يكنّكم» من مادة (كنّ) على وزن جن، يقال عادة للظرف الذي يحفظ فيه الشيء، ثم توسع هذا المعنىوأصبح يطلق على كل ما يحفظ الأشياء أو الأشخاص
[٢]. «رتاج» و «رتج» على وزن كرج، الباب العظيم المحكم الاغلاق
[٣]. سورة النور، الآية ٢٤
[٤]. سورة فصلت، الآية ٢١-/ ٢٢
[٥]. سورة الانفطار، الآيات ١٠-/ ١٢