الرسائل الرجالية - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٢٣٢ - خاتمة
فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه. و إذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويدا لا يغرّنّكم فإنّ شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام و إن كثر، و يحمل نفسه على شوهاء قبيحة، فيأتي منها محرّما، فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويدا لا يغرّنّكم حتّى تنظروا ما عقده عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثمّ لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله، فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرّكم حتى تنظروا أمع هواه يغلب على عقله، أم يكون مع عقله على هواه؟ و كيف محبّته للرئاسات الباطلة و زهده فيها؟ فإنّ في الناس من خسر الدنيا و الآخرة، يترك الدنيا للدنيا، و يرى أنّ لذّة الرئاسات الباطلة أفضل من لذّة الأموال و النعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة، حتّى إذا قيل له: اتّق اللّه، أخذته العزّة بالإثم فحسبه جهنّم و لبئس المهاد، فهو يخبط خبط عشواء، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، و يمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحلّل ما حرّم اللّه، و يحرّم ما أحلّ اللّه، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي من أجلها، فأولئك الذين غضب اللّه عليهم و لعنهم و أعدّ لهم عذابا أليما. و لكنّ الرجل كلّ الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّه، و قواه مبذولة في رضا اللّه، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل، و يعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرائها يؤدّيه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد و لا تنفد، و أنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له و لا يزول؛ فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا و بسنّته فاقتدوا و إلى ربّكم فتوسّلوا، فإنّه لا يردّ له دعوة و لا يخيب له طلبة[١].
[١] . الاحتجاج ٢: ٣٢١.