الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٢٤٢ - باب العقل والجهل
(فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذلِكَ). معنى العصيان هنا أن يجعل صاحبه ممّن شرّه أقوى من خيره، أو ممّن لا خير فيه، وهذا مبنيّ على أنّ العقل والجهل قد يجتمعان في مكلّف من جهتين، وهو المكلّف الذي ليس نبيّاً ولا وصيّاً ولا مؤمناً امتحن اللَّه قلبه للإيمان، كما يجيء في أواخر الحديث؛ يعني فالشرط عليك أنّك إن عصيت بعد ذلك الإعطاء والتقوية.
(أَخْرَجْتُكَ). الإخراج إمّا ناظر إلى قوله تعالى في سورة المؤمنين: «أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ»[١]، فإنّ المرويّ أنّ اللَّه خلق لكلّ مكلّف منزلًا في الجنّة، وينتقل منازل أهل النار في الجنّة إلى المؤمنين[٢]، وإمّا مبنيّ على أنّ العُصاة مرحومون في الدنيا.
(وَجُنْدَكَ). الواو بمعنى «مع» أي لا يدفع جندك عنك استحقاق الإخراج.
(مِنْ رَحْمَتِي) أي من دار رحمتي، وهي الجنّة، أو من النعمة التي كانوا عليها في الدنيا.
(قَالَ: قَدْ رَضِيتُ، فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُنْداً)؛ كلّ واحد منها ضدّ لواحد من جند العقل. وجميع ذلك من الاستعارة التمثيليّة، والمقصود أنّه تعالى خلق بحكمته الكاملة وعلمه الشامل قوّتين داعيتين؛ إحداهما العقل، وهو الداعي إلى الخير، والاخرى الجهل، وهو الداعي إلى الشرّ وخلق صفات حميدة تقوّي العقل في دعائه إلى الخير، وهي خمسة وسبعون، وخلق ضدّها من رذائل تقوّي الجهل في دعائه إلى الشرّ، وهي أيضاً خمسة وسبعون، وكتب على نفسه الرحمة لأهل العقل، وشرط استحقاق الإخراج من الرحمة لأهل الجهل، وهذا الشرط بيان لبطلان زعم المعتزلة أنّ تقوية جانب المعصية في المكلّف الذي علم تعالى أنّه يفضي به بدون جبر إلى المعصية ينافي العدل واستحقاق العقاب، لأنّه ضدّ اللطف الواجب عليه تعالى
[١]. المؤمنون( ٢٣): ١٠- ١١.
[٢]. مجمع البيان، ج ٧، ص ١٧٨؛ بحارالأنوار، ج ٨، ص ٩١؛ سنن ابن ماجة، ج ٢، ص ١٤٥٣، باب صفة الجنّة، ح ٤٣٤١؛ تفسير السمعاني، ج ٣، ص ٤٦٤.