شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٣٥ - المسألة السّادسة والثلاثون في أنّ الممكن في بقائهمفتقر إلى العلّة
اللّذين كلاهما مقدوران له، ومن شأنه أن يحصل كلّ منهما منه متساويين بالنّظر إليه .
وليس الوجود والعدم بالقياس إلى ماهيّة الممكن كذلك ـ أعني: ليس ماهيّة الممكن بحيث يصحّ أن يحصل منها الوجود والعدم ـ لكنّهما متساويا الصدور بالنظر إلى ذاتها فاحتاجت إلى المرجح ليدعُوها إلى أحدهما، بل ماهيّة الممكن لا يتصوّر صدور الوجود أو العدم منها أصلاً، فيحتاج إلى مرجّح يقتضي أحدهما لها، فمرجّح وجود الممكن هو العلّة المفيدة المقتضية لوجودها .
والمراد من العلّية وإفادة الوجود هو الاستتباع، بأن يكون وجود المعلول تابعاً لوجود العلّة من حيث هي علّة، كالظلّ لّذي الظلّ والضّوء للمضيء، فلا يمكن تحقّق المعلول بعد العلّة كما لا يمكن تحقّق التّابع بعد المتبوع والظلّ بعد الشّاخص، والضّوء بعد المضيء .
وليس كذلك العلّة المعدّة، فإنّ نسبة العلّة المعدّة إلى الفاعل بالإيجاب، كنسبة الدّاعي إلى الفاعل بالاختيار، والنّار، والشّمس، وسائر المؤثّرات الطبيعيّة إنّما هي معدّات لوجود الحرارة، والضّوء، وغيرهما من الآثار الطبيعيّة، ومفيد الوجود إيّاها إنّما هو الأمر الفارق الواهب لكلّ مستعدّ ما استعدّ له من الصّور والهيأت.
وممّا يوضح ما ذكرنا، من أنّ المراد من العلّيّة; هو الاستتباع في الوجود هو أنّه قد مرّ مراراً أنّ المعقول والمفهوم من الوجود ليس سوى الكون فالواجب الوجود بذاته هو الكائن بنفسه، والممكن الوجود هو الكائن بغيره لا بنفسه.