شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام - اللاهيجي، عبد الرزاق - الصفحة ٥٢٤ - المسألة الخامسة والثلاثون في حاجة الممكن إلى المؤثّر
وأمّا العلّة الغائية الّتي هي العرضيّة، فلا يجب ذلك فيها، بل يجب أن يكون هناك غاية ذاتيّة، أيضاً ليكون الفعل قد تأدّى إليها بالذّات وإلى العرضيّة بالعرض، وكلّ ما يقال من الأمثلة الجزئيّة فهو كذلك لا محالة[١].
فإن قيل: ما ذهب إليه كثير من المتكلّمين من أنّ الله تعالى خلق العالم في وقت دون سائر الأوقات.
وكذا ما ذهب إليه جمهور من الأشاعرة من أنّ سائر أفعاله تعالى غير معلّلة بشيء ممّا يترجّح به وجودها عن عدمها، قول بترجّح أحد طرفي الممكن من غير مرجّح، وهو بعينه قول بالحدوث بلا سبب، والكون بلا علّة.
أُجيب: بأنّا لانسلّم أنّه من ترجّح الممكن بلا مرجّح، بل من ترجيح المختار أحد المتساويين من غير مرجّح، وامتناعه غير مسلّم، فضلاً عن أن يكون ضروريّاً، فليتدّبر[٢] .
ثمّ إنّ الإمام الرّازي ذكر لهم شبهاً يمكن أن يتمسّكوا بها[٣]:
منها: أنّه لو احتاج الممكن إلى المؤثر لوجب اتّصاف المؤثّر بالمؤثّريّة وهو محال، لكونها صفة محتاجة إلى موصوفها، فهي من الممكنات، فيحتاج إلى مؤثّريّة أُخرى، وهي أيضاً كذلك، وهكذا ويلزم التّسلسل .
وأشار المصنّف إلى الجواب عنه بقوله: والمؤثّريّة اعتبارٌ عقليٌّ، وليست
[١] انظر : طبيعيات الشفاء: ١ / المقالة الأُولى / الفصل الثالث عشر .
[٢] إشارة إلى أنّ التّرجّيح بلا مرجّح، يلازم التّرجّح من دون مرجّح، لأنّ ترجّح إرادة الفعل على إرادة التـرك إمّـا بإرادة أُخرى، فيلزم الدّور والتّسلسل، أو بنفسها، فيلزم التّرجّح بلا مرجّح .
[٣] لاحظ: المطالب العالية من العلم الإلهي: ١ / الفصل الرابع في حكاية شبهات القائلين بأنّ رجحان الممكن، لا يتوقف على المرجّح .