دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٧٤ - بديهيات العقل أولى القواعد
تعالى يرشد العقل السليم إلى بديهة من بديهياته وأنه لا بدَّ لهذا الكون والعالم من إله واحد وإلّا لوقع الاضطراب والتنافر وبالتالي يقع الفساد، فإنه تعالى بهذه الآية لا يستدل على وحدانيته لأن الوحدانية من البديهيات وقد ثبت في محله أن البديهي ينبه عليه ولا يستدل له.
وهو بديهية عقلية كما أنه تعالى لا يأمر بالظلم ولا ينهى عن العدل والاحسان التي هي بديهيات العقل فقول الله تعالى: وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [١]، وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٢]، وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٣]، فلِمَ ينفي الله (عزوجل) عن نفسه الظلم ولِمَ يدافع عن نفسه؟ فهل يقع الريب أو الشكّ في الله تعالى أو في أمانته أو لكي يبيّن لنا أن بديهيات العقل لا يخالفها من قبح الظلم ونحوها؟
إنما ذلك منه تعالى لكي يبين لنا أن قُبح الظلم وحُسن العدل قواعد رقابية معرفية لمعرفة إلوهيته تعالى فيقول: لا تقصوا ولا تغلقوا ولا تُلغوا عقولكم فإنّ بديهيات العقل صرح مشيد لا يمكن تجاوزها، وأن أوامر الإله لا يمكن بحالٍ أن تتجاوز ذلك الصرح، فإنّ مساحة شأن صلاحيات الله وحجيته لا تناقض ولا تتعدى بديهيات العقل في إدراك الكمال لذا قال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [٤]، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [٥].
[١] الحج: ١٠.
[٢] فصلت: ٤٦.
[٣] ق: ٢٩.
[٤] الأنعام: ١٤٩.
[٥] الأنفال: ٤٢.