دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٤ - عبادة العقل
وما هو خضوع العقل؟
هو تسليمه للحقائق، وإذعانه لها واستجابته لها وعدم تمرده وعدم طيشه على ما هو الحقيقة، بل يسلم لها أي يخبت لها فهذه عبادة العقل، فإذا سلم وخضع لما هو حقيقة وواقعية حينئذٍ يكون العقل قد عبد الواقعية المطلقة وهو الباري تعالى وهو الحق، فعبادة العقل خضوعه وتسليمه للحق!
لذلك مُدِح المخبتون في القرآن الكريم حيث قال تعالى: وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ [١] فالاخبات نوع تسليم وإذعان، فعبادة العقل أن يسلم ويعرف الحقيقة والواقعية، وكما أن الإسلام والتسليم يعمُّ شأن البدن وشأن الجوارح والجوانح والقوى وما شابه ذلك، فكذلك التسليم والإسلام والقبول يعمُّ شأن العقل أيضاً.
فإسلام العقل وتسليمه هو إذعانه للحقائق! إذن فللعقل عبادة، وللعقل تسليم، وللعقل سجود وهو منتهى خضوعه، وللعقل ركوع وهو انحناؤه أمام الحقائق وعدم تمرده وعدم طيشه عليها، ومن ذلك يظهر معنى قوله تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٢]، أي لتعبد أبدانهم ولتعبد قواهم النفسية ولتعبد أرواحهم ولتعبد عقولهم المعبود الواحد، لذا فإنّ التمرد على الحقائق وعدم التسليم لنتائج البراهين يعتبر عصياناً من العقل وعدم طاعة لخالقه، فإنّ الله تعالى اعتبر تسليم العقل لما وصل إليه بالدليل والبرهان هو عبادته وطريق كماله.
[١] الحج: ٣٤.
[٢] الذاريات: ٥٦.