حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٤٨ - الباب السادس في عبادته
و راحتاه، إدآبا [١] منه لنفسه في العبادة.
فأتى جابر بن عبد اللّه باب عليّ بن الحسين، و بالباب أبو جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام) في اغيلمة من بني هاشم قد اجتمعوا هناك، فنظر جابر إليه مقبلا فقال: هذه مشية رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و سجيّته، فمن أنت يا غلام، قال: فقال: أنا محمّد بن عليّ بن الحسين، فبكى جابر رضي اللّه عنه، ثم قال: أنت و اللّه الباقر عن العلم حقّا ادن منّي بأبي أنت، فدنا منه فحلّ جابر أزراره و وضع يده على صدره فقبّله و جعل عليه خدّه و وجهه و قال له: أقرئك عن جدّك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) السلام، و قد أمرني أن أفعل بك ما فعلت و قال لي: يوشك أن تعيش و تبقى حتّى تلقى من ولدي من اسمه محمّد يبقر العلم بقرا، و قال لي: إنّك تبقى حتّى تعمى ثم يكشف لك عن بصرك.
ثم قال: ائذن لي على أبيك، فدخل أبو جعفر على أبيه فأخبره الخبر، و قال: إنّ شيخا بالباب و قد فعل بي كيت كيت، فقال: يا بنيّ ذلك جابر بن عبد اللّه، ثمّ قال: أمن بين ولدان أهلك قال لك ما قال، و فعل بك ما فعل؟
قال: نعم، قال: إنا للّه لم يقصدك فيه بسوء، و لقد أشاط [٢] بدمك.
ثمّ أذن لجابر فدخل عليه فوجده في محرابه قد أنضته [٣] العبادة فنهض عليّ (عليه السلام) فسأله عن حاله سؤالا خفيا، ثمّ أجلسه جنبه، فأقبل جابر عليه يقول: يا بن رسول اللّه أ ما علمت أنّ اللّه تعالى إنّما خلق الجنّة لكم و لمن أحبّكم، و خلق النار لمن أبغضكم و عاداكم، فما هذا الجهد الذي كلّفته نفسك؟ قال له عليّ بن الحسين (عليهما السلام): يا صاحب رسول اللّه أ ما علمت أنّ جدّي رسول اللّه قد غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر فلم يدع الاجتهاد له، و تعبّد بأبي هو و امّي حتّى انتفخ الساق و ورم القدم، و قيل له أ تفعل هذا و قد غفر اللّه لك ما تقدّم
[١] الإدآب: الإتعاب.
[٢] أشاط بدمه: عرّضه للقتل.
[٣] أنضته العبادة: هزلته.