منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٥٩ - المعنى
البكاء ذبل الشفاه من الدعاء حدب الظهور من القيام خمص البطون من الصّيام، صفر الوجوه من السهر، عليهم غبرة الخاشعين.
(فأخذوا الراحة) في الاخرى (بالنصب) و التعب في الدّنيا (و الرّى) من عين سلسبيل (بالظّماء) و العطش في زمان قليل (و استقربوا الأجل فبادروا العمل و كذبوا الأمل فلاحظوا الأجل) يعني أنهم عدوّا الآجال أى مدّة الأعمار قريبا، فسارعوا إلى الأعمال الصّالحة و تهيّأوا زاد الآخرة، و أنهم كذّبوا الآمال الباطلة و لم يغترّوا بالامنيّات العاطلة فلاحظوا الموت.
و بما ذكرنا ظهر أنّ الأجل في الفقرة الاولى بمعنى مدّة العمر، و في الثانية بمعنى الموت، فلا تكرار كما ظهر أنّ الفاء في قوله: فبادروا، للسّببية مفيدة لسببيّة ما قبلها لما بعدها، و أمّا في قوله فلاحظوا فيحتمل أن تكون كذلك أى لا فادة سببيّة ما قبلها لما بعدها، و يحتمل العكس فيكون مفادها مفاد لام التعليل كما في قولك أكرم زيدا فانّه فاضل، يعنى أكرمه لكونه فاضلا، فيدلّ على أنّ فضله علّة لاكرامه.
و الاحتمالان مبنيّان على أنّ الدّنيا و الآخرة ضرّتان متضادّتان فبقدر التّوجّه إلى إحداهما يغفل عن الاخرى و طول الأمل انّما ينشأ من حبّ الدّنيا و الميل إليها، فلحاظ الآخرة أعنى الاجل و ما بعده و الالتفات إليها و التوجّه لها يستلزم الاعراض عن الدّنيا و عن الآمال الباطلة المتعلّقة بها لا محالة، و هو معني تكذيبها كما أنّ انتزاع محبّة الدّنيا عن القلب و عدم الاغترار بآمالها يستلزم ملاحظة الآخرة، فبين الأمرين ملازمة في الحقيقة يكون تكذيب الآمال سببا لملاحظة الآخرة و باعتبار آخر يكون ملاحظة الآخرة علّة لتكذيب الآمال و أعني بالعلية و السّببيّة الارتباط و الملازمة و ان لم تكن تامة فافهم جيدا.
و يمكن أن يراد بالأجل في الفقرة الاولى الموت، و في الثانية مدّة العمر عكس ما قدّمنا و يحتاج حينئذ إلى نوع تكلّف، بأن يراد بملاحظة الأجل ملاحظة