منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٧٦ - و أما الكتاب
يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه و اتّقوا اللّه إنّ اللّه توّاب رحيم، فجعل سبحانه المؤمن أخا و عرضه كلحمه و التفكّه به أكلا و عذم شعوره بذلك بمنزلة حالة موته.
قال الفخر الرّازي: الحكمة في هذا التشبيه الاشارة إلى أنّ عرض الانسان كدمه و لحمه و هذا من باب القياس الظّاهر، و ذلك لأنّ عرض المرء أشرف من لحمه، فاذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم النّاس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأنّ ذلك ألم. و قوله: لحم أخيه آكدا في المنع لأنّ العدوّ يحمله الغضب على مضغ لحم العدوّ فقال تعالى أصدق الأصدقاء من ولدته امّك فأكل لحمه أقبح ما يكون، و قوله تعالى: ميتا، إشارة إلى دفع و هم و هو أن يقال:
القول في الوجه يولم فيحرم و أما الاغتياب فلا اطلاع عليه للمغتاب فلا يؤلم، فقال:
أكل لحم الأخ و هو ميّت أيضا لا يؤلم، و مع هذا هو في غاية القبح لما أنّه لو اطلع عليه لتألّم كما أنّ الميّت لو أحسّ بأكل لحمه لآلمه ذلك هذا.
و الضّمير في قوله: فكرهتموه، إمّا راجع إلى الأكل المستفاد من أن يأكل، أو إلى اللّحم، أى فكما كرهتم لحمه ميتا فاكرهوا غيبته حيّا، أو الميت في قوله ميّتا، و التّقدير أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميّتا متغيّرا فكرهتموه فكأنّه صفة لقوله ميتا و يكون فيه زيادة مبالغة في التّحذير يعني الميتة إن اكلت لسبب كان نادرا و لكن إذا أنتن و أروح و تغيّر لا يؤكل أصلا فكذلك ينبغي أن تكون الغيبة.
و الفاء فيه يفيد التعلّق و ترتّب ما بعدها على ما قبلها، و هو من تعلّق المسبّب بالسّبب و ترتّبه عليه كما تقول جاء فلان ماشيا فتعب، لأنّ المشى يورث التّعب فكذا الموت يورث النفرة و الكراهة إلى حدّ لا يشتهى الانسان أن يبيت في بيت فيه ميّت فكيف يقربه بحيث يأكل منه، ففيه إذا كراهة شديدة فكذلك ينبغي أن تكون حال الغيبة.
و من الكتاب أيضا قوله سبحانه: ويل لكلّ همزة لمزة، قال اللّيث: الهمزة هو الّذي يعيبك بوجهك، و اللّمزة الّذي يعيبك بالغيب، و قيل: الهمز ما يكون