منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٩ - تكملة
منكم عنودا تعبّدوا الدّنيا أيّ تعبّد، و آثروها أىّ ايثار، ثمّ ظعنوا عنها بالصغار فهل يمنعكم أنّ الدّنيا سخت لهم بفدية أو أغنت عنهم فيما قد أهلكهم من خطب، بل قد أوهنتهم بالقوارع، و ضعضعتهم بالنوائب، و عفّرتهم للمناخر، و أعانت عليهم ريب المنون.
فقد رأيتم تنكّرها لمن دان بها و أجدّ اليها حتّى ظعنوا عنها بفراق ابدالى آخر المستند، هل أحلّتهم الّا الضنك، أو زوّدتهم إلّا التّعب، أو نورّت لهم إلّا الظلمة، أو أعقبتهم إلّا النّار، أ فهذه تؤثرون، أم على هذه تحرصون، أم إلى هذه تطمئنّون، يقول اللَّه جلّ من قائل:
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فبئست الدار لمن لا يتّهمها و ان لم يكن فيها على و جل منها، اعلموا و أنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ فانما هى كما نعّتها اللَّه لهو و لعب، و اتّعظوا بالذين كانوا يبنون بكلّ ريع آية تعبثون و يتّخذون مصانع لعلّهم يخلدون، و اتّعظوا بالّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة، و اتّعظوا باخوانكم الّذين نقلوا إلى قبورهم لا يدعون ركبانا قد جعل لهم من الضّريح أكنانا و من التراب أكفانا و من الرّفات جيرانا، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، و لا يمنعون ضيما، قد بادت أضغانهم، فهم كمن لم يكن و كما قال اللَّه عزّ و جلّ:
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَ كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسّعة ضيقا، و بالأهل غربة، جاءوها كما فارقوها بأعمالهم إلى خلود الأبد كما قال عزّ من قائل:
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ