منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٢ - المعنى
الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَ خَيْرٌ أَمَلًا.
(من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه) يعنى أنّ من ذهب في الدّنيا و اكتفى بالقليل من متاعها طلب الكثير ممّا يوجب أمنه و نجاته في الآخرة، و من رغب فيها طلب الكثير من متاعها استكثر مما يوجبه هلاكه فيها، لأنه ان كان من الحلال ففيه طول الحساب، و ان كان من الحرام ففيه أليم العذاب.
(و زال عمّا قليل عنه) إشارة إلى مفسدة اخرى فيما استكثره مضافة إلى ايجابه هلاكه و هى أنّه لم يبق له بل زال بعد حين قليل عنه.
ثمّ أشار ٧ إلى مفاسد الرّكون اليها و الاعتماد عليها بقوله: (كم من واثق بها قد فجعته) بأنواع الأحزان (و ذى طمأنينة اليها قد صرعته) في مصارع الهوان (و ذى ابّهة) و عظمة (قد جعلته حقيرا) مهينا (و ذى نخوة) و كبر (قد ردّته ذليلا) مستكينا (سلطانها دول) يتداوله السّلاطين بينهم يكون تارة لهؤلاء و لهؤلاء اخرى (و عيشها رنق) متكدّر استعاره (و عذبها اجاج) مالح (و حلوها صبر) مرّ استعار لفظى العذب و الحلو للذّاتها و لفظى الاجاج و المرّ لما يشوبها من الكدر و الأسقام و الجامع الاشتراك في الالتذاذ و الايلام (و غذائها سمام) قاتلة (و أسبابها) أى حبالها (رمام) بالية (حيّها بعرض موت و صحيحها بعرض سقم) أراد به إشراف الأحياء بالممات و الأصحاء بالأسقام و قربهم منها (ملكها مسلوب و عزيزها مغلوب و موفورها منكوب و جارها محروب) أى وافر المال و صاحب الثروة فيها مثاب و جارها حريب أى مأخوذ منه جميع ماله هذا.
و لما حذّر من الدّنيا بذكر معايبها أكدّ ذلك بالتنبيه على السّابقين فيها و قال (ألستم في مساكن من كان قبلكم) لكونهم (أطول أعمارا) فقد لبث نوح ٧ في قومه ألف سنة الّا خمسين عاما، و مثله كثير (و أبقى آثارا) كما يشهد به الهرمان