منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥ - و من خطبة له
و عفرتهم للمآخر، و وطئتهم بالمناسم، و أعانت عليهم ريب المنون، فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها و آثرها و أخلد إليها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد، هل زوّدتهم إلّا السّغب، أو أحلّتهم إلّا الضّنك، أو نوّرت لهم إلّا الظّلمة، أو أعقبتهم إلّا النّدامة، أ فهذه تؤثرون؟ أم إليها تطمئنّون؟
أم عليها تحرصون؟ فبئست الدّار لمن لم يتّهمها و لم يكن فيها على وجل منها، فاعلموا و أنتم تعلمون بأنّكم تاركوها و ظاعنون عنها، و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا من أشدّ منّا قوّة، حملوا إلى قبورهم، فلا يدعون ركبانا، و أنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا، و جعل لهم من الصّفيح أجنان، و من التّراب أكفان، و من الرّفات جيران، فهم جيرة لا يجيبون داعيا، و لا يمنعون ضيما، و لا يبالون مندبة، إن جيدوا لم يفرحوا، و إن قحطوا لم يقنطوا، جميع و هم آحاد، و جيرة و هم أبعاد، متدانون لا يتزاورون، و قريبون لا يتقاربون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، و جهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى فجعهم، و لا يرجى دفعهم، استبدلوا بظهر الأرض بطنا، و بالسّعة ضيقا، و بالأهل غربة، و بالنّور ظلمة، فجاءوها كما فارقوها حفاة عراة، قد ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة، و الدّار الباقية، كما قال سبحانه: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ