منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٨ - المعنى
الرّيح هواء إذا تحرك سمّي ريحا و إذا سكن سمّي هواء و به قوام الدنيا و لو كفت الرّيح ثلاثة أيام لفسد كلّ شيء على وجه الأرض و نتن. و ذلك إنّ الرّيح بمنزلة مروحة تذب و تدفع الفساد عن كلّ شيء و تطيّبه فهي بمنزلة الرّوح إذا خرج عن البدن نتن البدن و تغيّر تبارك اللّه أحسن الخالقين (فتمثّلت) الصّورة المجبولة بعد نفخ الرّوح (إنسانا).
روى في العلل مرفوعا عن أبي عبد اللّه ٧: قال: سمّي الانسان إنسانا لأنّه ينسي و قال اللّه عزّ و جلّ: و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي.
و عن الدرّ المنثور عن ابن عبّاس قال: خلق اللّه آدم من أديم الأرض يوم الجمعة بعد العصر فسمّاه آدم ثمّ عهد اللّه فنسي فسمّاه الانسان، قال ابن عبّاس: فباللّه ما غابت الشّمس من ذلك اليوم حتّى اهبط من الجنّة.
و قال الرّاغب الانسان قيل سمّي بذلك لأنّه خلق خلقة لا قوام له إلّا بأنس بعضهم ببعض، و لهذا قيل الانسان مدنيّ بالطبع من حيث إنّه لا قوام لبعضهم إلّا ببعض و لا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه و محاوجه.
و قيل سمّي بذلك لأنّه يأنس بكلّ ما يألفه، و قيل هو افعلان و أصله انسيان سمّي بذلك لأنّه عهد إليه فنسي.
أقول: الانسان لو كان من الانس فوزنه فعلان و هو مذهب البصريّين، و لو كان من النّسي فوزنه إفعان أصله إنسيان على وزن إفعلان فحذفت الياء استخفافا لكثرة ما يجري على ألسنتهم و عند التّصغير يردّ إلى الأصل يقال انيسيان، و هو مذهب الكوفيّين و الرّواية السّابقة مؤيّدة لمذهبهم، و قوله ٧ (ذا أذهان يجيلها) قال الشّارح البحراني: إشارة إلى ما للانسان من القوى الباطنة المدركة و المتصرّفة[١]
[١] قال المحدث البحرانى و اما الباطنة من القوى فهى أيضا خمس و هى اما مدركة فقط اما للصور الجزئية و هو القوة المسماة حسا مشتركا المرتبة في التجويف الاول من الدماغ عندها تجتمع صور المحسوسات ثم القوة المرسومة خيالا و هى خزانة الحس المشترك مودوعة فى آخر« ج ٣» التجويف المقدم من الدماغ يجتمع فيها مثل المحسوسات و تبقى فيها بعد الغيبة عن الحواس و اما مدركة للمعانى الجزئية و هى اما الوهم و هى قوة مرتبة في التجويف الاوسط من الدماغ تدرك المعاني الجزئية الغير الموجودة فى المحسوسات كادراك الشاة معنى فى الذئب يوجب لها الهرب و اما الحافظة و هى قوة مرتبة فى التجويف الاخير من الدماغ تحفظ الاحكام الجزئية المدركة للوهم و هى خزانة له و اما مدركة و متصرفة و هى القوة المسماة متخيلة باعتبار استعمال الوهم فيها و مفكرة باستعمال العقل لها و محلها مقدم البطن الاوسط من الدماغ من شانها التركيب و التفصيل لبعض الصور ببعض و عن بعض و كذا المعاني و المعاني بالصورة و هى الحاكيه للمدركات انتهى كلامه رفع مقامه، منه.