منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٠١ - الثاني ما ظهر من كلام المرتضى من توفر الدواعي و اشتداد العنايات على حفظه و ضبطه،
العصا و اليد البيضاء، و أمّا مع عدم الانحصار فلا تتوفّر الدّواعي عليه، كأكثر معجزاته لم يتوافر بعد.
فان قلت: سلّمنا عدم انحصار معجزته فيه و لكنّه أظهر المعجزات و أقويها و آكدها فتوفّر الدّواعي عليه.
قلت: إنّ الاعجاز كما يحصل بالجميع كذلك يحصل بالبعض، إذ المناط في الاعجاز هو الفصاحة و البلاغة و غرابة الاسلوب و حسن النّظم، و هي باقية بحالها لم تتغيّر و لم تتبدّل، فلا يخرجه وقوع التّحريف فيه عن كونه دليلا للنّبوة و الرّسالة، بل لو فرض و العياذ باللّه سقوط جميع آياته عن الاعجاز لكفانا فيه قوله:
وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فانّها مع اختصارها و وجازتها مشتملة على أمرين و نهيين و خبرين و بشارتين.
و حكى أن بعضهم سمع بدويّة تنشد أبياتا، فقال لها: للّه درّك ما أفصحك، فقالت:
الفصاحة للّه و ذكرت هذه الآية، و قوله سبحانه:
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِ- الآية) لأنّها مشتملة على وجوه عديدة[١] من الفصاحة يقطع معها بأنّها خارجة عن
[١] منها قوله و قيل فانه يدل على انه سبحانه فى الجلال و العلو و العظمة بحيث لا يتبادر الذهن من القائل الا اليه و لا يتوجه الفكر الا الى ان ذلك القائل هو هو و منها مخاطبة الارض و السماء بما يخاطب به العاقل فان فيه اشارة الى انهما مع كونهما جمادا فى مقام الخضوع و الانقياد و قبول الامر التكوينى مثل العقلاء فى قبول الامر التكليفى و ان حكمه نافذ فيهما و انهما مقهور ان مغلوبان تحت قدرته و قهره مع ما هما عليه من الشدّة و القوة و العظمة، و منها ما فى قوله و قضى الامر من الدلالة على ان كل ما قضى به و قدره سبحانه فى الازل فصار حتما و قدرا لازما لا محالة يكون واقعا و انه لا راد لقضائه و لا مانع من نفاذ حكمه فى ارضه و سمائه، و منها حسن تقابل الالفاظ و ايتلاف المعنى، و منها حسن البيان فى تصوير الحال، و منها الايجاز من غير اخلال الى غير هذه من الوجوه التي لا يخفى على المتدبر منه