بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٤٥ - (الآية الثالثة) قال تعالى
بالمعنى الذي ذكرناه بالضرورة و معنى كون بعض من الناس وليا له تعالى ان يوالوه و يحبوه و ينصروا دينه و ينصروا من يواليه فكم فرق بين ولايته تعالى على الناس و ولاية بعض من المؤمنين الكاملين له سبحانه فالمذكور في هذه الآية هي الولاية بالمعنى الأول الذي ذكرنا فاحتفظ بهذا فان كثيرا من الباحثين قد خلطوا بين المعنيين. فلا ينافي ما ذكرنا ولايته لأوليائه بمعنى الناصر و المحب كما هو كذلك بين المؤمنين فإن المؤمنين أيضا أولياء بعض انما الكلام في اختصاص الولاية بالمعنى الأول لله تعالى- إذا تقرر ذلك فنقول ان المراد بحسب الظاهر في الآية و بقرينة الحصر المذكور فيها هي الولاية الحق الخاص لله سبحانه فتلخص ان الله سبحانه هو الولي الحميد على الخلق بالحق فلا يجوز لأحد ان يتخذ و يعتقد وليا من دون الله و بغير ادنه و يوم تظهر هذه الولاية بأكمل مظاهرها و تتجلى بأتم مجاليها و صارت المعارف ضرورية حين يَقُومُ النّٰاسُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ ف عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ. و يتبين هنالك أن الولاية لله الحق.
ثم انه تعالى لمكان مالكيته على الأمر و النهي له تعالى أن يأذن لأحد من أوليائه و يملكه سلطة الأمر و النهي و القبض و البسط في الأمور و التصرف في شئون الاجتماع قال تعالى وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ اللّٰهِ (النساء ٦٤) فقد أكرم الله سبحانه رسوله و أعطاه حق التصرف في الخلق و تقلد أمور الناس و إياك ان تتوهم ان هذه الولاية تنافي ولايته تعالى لمكان توارد الولايتين على مورد واحد فإن ولاية الرسول قد تتحقق بعطائه و تمليكه فلا محالة يقع في طول ولايته تعالى لا في عرضه قال تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اللّٰهَ (النساء ٨٠) و كل ما بالعرض ينتهي الى ما بالذات فله ٦ الولاية و التصرف في شأن المجتمع على حسب الحدود و المقدار الذي أعطاه تعالى و كذلك الذين آمنوا بالنعت المذكور في الآية فهؤلاء أيضا لهم الولاية المذكورة في صدر الآية لمكان وحدة السياق و يستحيل ان تكون الولاية بهذا المعنى مشتركا بين المؤمنين أجمعين فإن القول بالاشتراك إلغاء الولاية بهذا المعنى فلا يكون هنا ولي و لا المولى عليه.
فاتضح من جميع ما ذكرنا انه لا بد من تقلد أمر الناس و التصرف في شئونهم من عطائه تعالى و اذنه فلا يجوز و لا يصح و ثوب أحد من عند نفسه و تقلده على رقاب الناس و قبضه أمر الناس من دون عطائه سبحانه.
و أما شأن النزول فلم يختلف أحد بحسب الروايات الواردة المتكاثرة من طرق الفريقين ان الآية نزلت في علي (ع) و ادعى الرازي بعد إقراره ان الروايات اتفقت انها في شأن علي (ع) انها في شأن أبي بكر أقول: إذا أثبت انها في شأن علي (ع) فلا يجوز إخراج مورد النزول عن مفاد الآية و أما البحث على اختصاصها به و بآلة الأئمة الطاهرين و دفع الشبهات و المغالطات التي أوردها الرازي في تفسير الآية