بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٤٠ - بحث و تحليل في الشفاعة
و قد استشكل في تفسير المنار في معنى الشفاعة و إمكان تحققها خارجا و قال في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة لٰا بَيْعٌ فِيهِ وَ لٰا خُلَّةٌ وَ لٰا شَفٰاعَةٌ و اخرى بنفي منفعة الشفاعة كقوله تعالى فَمٰا تَنْفَعُهُمْ شَفٰاعَةُ الشّٰافِعِينَ الى ان قال و ليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة و لكن ورد الحديث به انتهى ملخصا. قال الشيخ عبده فما ورد في إثبات الشفاعة على هذا يكون من المتشابهات فمذهب السلف التعبد بمفادها و عدم الفحص عن حقيقتها و مذهب الخلف انها دعاء يستجيبها الله تعالى انتهى ملخصا و نقل هذا عن ابن تيمية و غيره و لم يعدوه تأويلا.
أقول: لا يخفى عند أولي الألباب ان تفرده و توحده سبحانه في جميع شئون ألوهيته و ربوبيته يقضي و يحكم ان أمر الخلق و جميع ما يرجع اليه من شأن التكوين و التشريع ملك طلق له تبارك و تعالى أزلا و ابدا في الدنيا و الآخرة و يكون ظهور تلك المالكية في الآخرة أظهر و أجلي لإبطال الاختيارات و رجوع الأمانات من القدرة و الثروة و السلطة و النعمة إلى مالكها و واهبها الملك الحق القيوم فعنت اليوم له الوجوه و خشعت له الأصوات مطيعين مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لٰا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ. إذا تقرر ذلك فالآيات المتعرضة بأمر الشفاعة منها ما تدلى على أن اليوم انقطعت عنهم الأسباب و تقطعت عنهم الحيل و التناصر بينهم لا بيع و لا خلة و لا شفاعة و لا نصرة و لا فداء قال تعالى وَ اتَّقُوا يَوْماً لٰا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لٰا يُقْبَلُ مِنْهٰا شَفٰاعَةٌ وَ لٰا يُؤْخَذُ مِنْهٰا عَدْلٌ وَ لٰا هُمْ يُنْصَرُونَ (البقرة ٤٨) و في سياقها آيات اخرى و منها ما تدل على مالكيته تعالى لأمر الشفاعة و توحده سبحانه فيها قال تعالى قُلْ لِلّٰهِ الشَّفٰاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ (الزمر ٤٤) و منها ما تدل على إبطال الشركاء و الأضداد و الأنداد و الأصنام و الاعتماد و الاتكاء على شفاعتهم مع التعرض و التحديد بمن قال بالشفعاء من دون الله و بالشركاء مع الله قال تعالى وَ تَرَكْتُمْ مٰا خَوَّلْنٰاكُمْ وَرٰاءَ ظُهُورِكُمْ وَ مٰا نَرىٰ مَعَكُمْ شُفَعٰاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكٰاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ مٰا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (إنعام ٩٤ م).
لا يخفى ان هذه الطوائف الثلاثة من الآيات و ما يجري مجراها خارجة عن حريم البحث و غير ناهضة لنفي الشفاعة بمعنى نفي اذنه تعالى أو استحالة إذنه تعالى لأحد من عباده المقربين ان يشفع في من اذن له بالشفاعة.
ضرورة ان نفي التناصر و التعاضد و الخلة و الفداء و انقطاع الأسباب و الحيل حق الكفار يوم القيامة و ظهور سطواته على أعدائه و ذلتهم و هوانهم في ذلك