بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٣٥ - (الآية الأولى) قال تعالى
قوله تعالى لِدُلُوكِ الشَّمْسِ- الى آخره- الدلوك الزوال و الميل و هذا معنى شامل لجميع إفراد الميل و الزوال سواء كان عن وسط السماء أو عن افقها و قد اختلف في تحقيق معنى دلوك الشمس سيما عند قدماء المفسرين من العامة و قد فسره بعض منهم بغروب الشمس و استدل الجصاص على ذلك بأن الغاية هو غسق الليل و هي لا تلائم الظهر لو كان الدلوك هو الزوال لعدم الارتباط بينه و بين غسق الليل الذي هي الغاية لكون العصر فاصلة بين المبدأ و المنتهى، انتهى. فكان الأنسب ان يكون المبدأ لغسق الليل أول الليل لا الظهر فتعين ان الآية مسوقة لبيان فريضتي المغرب و العشاء أقول سيجيء بيان و هن هذا القول و ضعف الاستدلال به و عن ابن عباس و ابن عمر في أحد قوليه ان المراد من الدلوك هو زوال الشمس من وسط السماء و أطبقت على ذلك روايات أهل البيت.
الاولى بطور البحث في المقام ان الآية الكريمة هل سيقت لبيان أوقات الفرائض على التفصيل المقرر في بابه أو هي ساكتة من هذا المعنى و مسوقة لبيان الحد الأول و الآخر و ساكتة عما سواهما من الحدود و الشرائط و قد توهم القوم ان الآية لبيان أوقات الفرائض و تكلفوا في استظهار ذلك و استنباطه من الآية و أصروا على ذلك و الحال ان ذلك ليس مستندا الى ظاهر آية و لا معتمدا إلى قرينة و استنباط و انما هو تفسير بالرأي و هذا منشأ الاشتباه و سر اختلاف الأقوال.
فلا يستفاد من الآية الا ان الحد الأول هو الدلوك و الآخر الغسق فعليه تكون الآية غير متعرضة لتفصيل الأوقات لا تفصيلا و لا إجمالا فسقط ما ذكروه من الأقوال و يبطل ما ذكره الجصاص من ان المراد من دلوك الشمس غروبها فإن القضية حقيقية و النوع البارز الأول زمانا و أجلي حقيقة هو الدلوك عن وسط السماء فلا يبقى لشمولها للدلوك الغربي مجال ضرورة ان هذا متوقف على ان الآية لبيان تفصيل الأوقات و لا شاهد و لا دليل لهذه الدعوى على ان إطلاق الدلوك على الغروب لا يخفى ما فيه من التكلف فان الظاهر من الدلوك هو الزوال و الميل مع بقاء أصل التجلي و الشروق و اما الغروب فإنه من مصاديق الأفول و السقوط و الغيبة.
قال الرازي ما ملخصه قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال و لذلك قيل للشمس إذا زالت أو أفلت دالكة هكذا قاله الأزهري الى ان قال وجب أن يكون المراد من الدلوك هاينها الزوال من كبد السماء و ذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك و الدلوك عبارة عن الميل و الزوال و عند ما حصل الزوال وجب ان يتعلق به وجوب الصلاة و ذلك يدل على ان المراد من الدلوك في هذه الآية