بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٩٤ - الآية الثالثة- قال تعالى
يَأْتِي اللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الآية مائدة (٥٤) قال تعالى وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ/ التوبة/ ١٠٨ قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّٰهِ/ البقرة/ ١٦٥.
و هذه الآيات المباركات حجة صريحة على ضعف تأويل محبة الله تعالى بإرادة ثوابه و تأويل محبة العبد إلى إرادة طاعاته و حيث ان المحبة بمعناه المتعارف عندنا عبارة عن انفعال النفس و ميولاتها و هوساتها يجب تنزيهه تعالى عن المحبة بهذا المعنى و كذلك تنزيهه تعالى عن كونه محبوبا بهذا المعنى المتعارف عندنا و يكون متعلقا لهذه المحبة و قد اضطر الباحثون الى تأويلات و توجيهات لا مجال لإيرادها و النقض و الإبرام فيها فالذي ينبغي ان يقال أن محبة الله فعل من أفعاله و نسبة الحب اليه تعالى و توصيفه تعالى بهذا الفعل ليس الأمثل توصيفه تعالى بغيرها من معاني أسمائه و صفاته و قد تقرر في محله على ما هو الحق و التحقيق أن أسمائه تعالى التي سمى بها نفسه موضوعة بالوضع الشخصي لله سبحانه بعناية التعبير لكل واحد منها عن كمال خاص له سبحانه و هذه الأسماء بما لها من المعنى الشخصي يستحيل إطلاقها على غيره تعالى كما ان أسماء غيره تعالى بما لها من المعنى المفهوم المتصور لا يجوز إطلاقها عليه تعالى و نسبة معاني أسمائه تعالى مع معاني غير أسمائه المباينة الصفتي التي أشد أنحاء المباينة.
فان قلت فعلى ما ذكرت ينسد باب معرفته تعالى و تصوره تعالى بالوجوه العامة و يستلزم ذلك تعطيل الأذكار و التسبيحات و التمجيدات له تعالى و لأنا لا نعرف من معاني هذه الأسماء و الصفات الا المعنى المشترك بين صفات الخالق و الخلق.
قلت ما ذكرت من التالي انما هو بناء على معرفته و معرفة أسمائه و نعوته بتصورها بالوجوه و العناوين و اما بناء على ما هو الحق أن المعرفة فعله تعالى يتعرف بآياته على عباده خارجا عن الحدين حد التعطيل و التشبيه و السر في ذلك هو ظهوره الذاتي على العقول و القلوب و الآيات مذكرات و رافعة للغفلات كما هو المأثور عن على أمير المؤمنين تجلى بخلقه لخلقه.
إذا تقرر ذلك فنقول لا يبعد ان يقال ان محبة العبد تعالى لله هو معرفته و عيانه انه مستظل تحت عنايته و مستغرق في مواهبه المعنوية العلوم و المعارف و تمكنه من القرب اليه تعالى و في المواهب الحسية الظاهرة في حيويته الطيبة السعيدة فيعترف و يتخضع و محبة الله تعالى لعبده هو حيث إجرائه آلائه و نعمائه لعبده فهو سبحانه يتحبب الى عبده بالنعم و يتودد اليه بالكرامات و الشواهد على ذلك كثيرة و الفرق بين